لمناسبته معنى التنزيل الذي لا يتم إلا بعلو وسفل يكونان مبدأ ومنتهى لهذا التسيير ، وقد خصصا بالذكر دون ما بينهما إذ لا غرض يتعلق بما بينهما وإنما الغرض بيان مبدأ التنزيل ومنتهاه بخلاف قوله : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) إذ الغرض بيان شمول الملك للجميع.
قوله تعالى : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) استئناف يذكر فيه مسألة توحيد الربوبية التي هي مخ الغرض من الدعوة والتذكرة وذلك في أربع آيات «الرَّحْمنُ ـ الى قوله ـ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى».
وقد تقدم في قوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) (الأعراف / ٥٤) ، أن الاستواء على العرش كناية عن الاحتواء على الملك والأخذ بزمام تدبير الامور وهو فيه تعالى ـ على ما يناسب ساحة كبريائه وقدسه ـ ظهور سلطنته على الكون واستقرار ملكه على الأشياء بتدبير امورها وإصلاح شؤنها.
فاستواؤه على العرش يستلزم إحاطة ملكه بكل شيء وانبساط تدبيره على الأشياء سماويّها وأرضيّها جليلها ودقيقها خطيرها ويسيرها ، فهو تعالى رب كل شيء المتوحد بالربوبية إذ لا نعني بالرب إلا المالك للشيء المدبر لأمره ، ولذلك عقّب حديث الاستواء على العرش بحديث ملكه لكل شيء وعلمه بكل شيء وذلك في معنى التعليل والاحتجاج على الاستواء المذكور.
ومعلوم أن (الرَّحْمنُ) وهو مبالغة من الرحمة التي هي الإفاضة بالإيجاد والتدبير وهو يفيد الكثرة أنسب بالنسبة الى الاستواء من سائر الأسماء والصفات ولذلك اختص من بينها بالذكر.
وقد أشبعنا الكلام في معنى العرش في ذيل الآية ٥٤ من سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب ، وسيأتي بعض ما يختص بالمقام في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
