والشقاوة خلاف السعادة قال الراغب : والشقاوة كالسعادة من حيث الإضافة فكما أن السعادة في الأصل ضربان : سعادة أخروية وسعادة دنيوية ثم السعادة الدنيوية ثلاثة أضرب : سعادة نفسية وبدنية وخارجية كذلك الشقاوة على هذه الأضرب ـ الى أن قال ـ قال بعضهم : قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في كذا ، وكل شقاوة تعب ، وليس كل تعب شقاوة ، فالتعب أعم من الشقاوة. انتهى ، فالمعنى ما أنزلنا القرآن لتتعب نفسك في سبيل تبليغه بالتكلف في حمل الناس عليه.
قوله تعالى : (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) التذكرة هي إيجاد الذكر فيمن نسي الشيء وإذ كان الإنسان ينال حقائق الدين الكلية بفطرته كوجوده تعالى وتوحّده في وجوب وجوده وألوهيته وربوبيته والنبوة والمعاد وغير ذلك كانت أمورا مودعة في الفطرة غير أن إخلاد الإنسان الى الأرض وإقباله الى الدنيا واشتغاله بما يهواه من زخارفها اشتغالا لا يدع في قلبه فراغا أنساه ما أودع في فطرته وكان إلقاء هذه الحقائق إلفاتا لنفسه اليها وتذكرة له بها بعد نسيانها.
والاستثناء في قوله : (إِلَّا تَذْكِرَةً) استثناء منقطع ـ على ما قالوا ـ والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك ولكن ليكون مذكرا يتذكر به من من شأنه أن يخشى فيخشى فيؤمن بالله ويتّقى.
فالسياق على رسله يستدعي كون (تَذْكِرَةً) مصدرا بمعنى الفاعل ومفعولا له لقوله : (ما أَنْزَلْنا) كما يستدعي كون قوله : (تَنْزِيلاً») بمعنى اسم المفعول حالا من ضمير (تَذْكِرَةً) الراجع الى القرآن ، والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك ولكن لتذكّر الخاشعين بكلام إلهي منزّل من عنده.
وقوله : (تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) العلى جمع عليا مؤنث أعلى كفضلى وفضل ، واختيار خلق الأرض والسماوات صلة للموصول وبيانا لإبهام المنزّل
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
