قوله تعالى : (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) كونه عليهالسلام مباركا أينما كان هو كونه محلا لكل بركة والبركة نماء الخير كان نفّاعا للناس يعلمهم العلم النافع ويدعوهم الى العمل الصالح ويربّيهم تربية زاكية ويبرىء الأكمه والأبرص ويصلح القوي ويعين الضعيف.
وقوله : (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ) الخ ؛ إشارة الى تشريع الصلاة والزكاة في شريعته ، والصلاة هي التوجّه العبادي الخاص الى الله سبحانه والزكاة الإنفاق المالي وهذا هو الذي استقرّ عليه عرف القرآن كلما ذكر الصلاة والزكاة وقارن بينهما وذلك في نيّف وعشرين موضعا فلا يعتدّ بقول من قال : إن المراد بالزكاة تزكية النفس وتطهيرها دون الإنفاق المالي.
قوله تعالى : (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) أي جعلني حنينا رؤفا بالناس ومن ذلك أني برّ بوالدتي ولست جبارا شقيا بالنسبة الى سائر الناس ، والجبار هو الذي يحمّل الناس ولا يتحمّل منهم ، ونقل عن ابن عطاء أن الجبار الذي لا ينصح والشقي الذي لا ينتصح.
قوله تعالى : (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) تسليم منه على نفسه في المواطن الثلاثة الكليّة التي تستقبله في كونه ووجوده ، وقد تقدم توضيحه في آخر قصة يحيى المتقدمة.
نعم بين التسليمتين فرق ، فالسلام في قصة يحيى نكرة يدلّ على النوع ، وفي هذه القصة محلّى بلام الجنس يفيد بإطلاقه الاستغراق ، وفرق آخر وهو أن المسلّم على يحيى هو الله سبحانه وعلى عيسى هو نفسه.
قوله تعالى : (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) الظاهر أن هذه الآية والتي تليها معترضتان ، والآية الثالثة (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) من تمام قول عيسى عليهالسلام.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
