كانت تهمة لا سبيل لها الى الدفاع عن نفسها وكانت الحجّة للخصم عليها ، ولذا أشار أن لا تتكلم مع أحد وتكفّل هو الدفاع عنها وتلك حجة لا يدفعها دافع.
وقوله : (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) السريّ جدول الماء ، والسريّ هو الشريف الرفيع ، والمعنى الأول هو الأنسب للسياق ، وهو القرينة عليه قوله بعد : (فَكُلِي وَاشْرَبِي) كما لا يخفى.
وقوله : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) الهز هو التحريك الشديد ، ونقل عن الفرّاء أن العرب تقول : هزّه وهزّ به ، والمساقطة هي الإسقاط ، وضمير (تُساقِطْ) للنخلة ، ونسبة الهز الى الجذع والمساقطة الى النخلة لا تخلو من إشعار بأن النخلة كانت يابسة وإنما اخضرّت وأورقت وأثمرت رطبا جنيّا لساعتها ، والرطب هو نضيج البسر ، والجنيّ هو المجني وذكر في القاموس ـ على ما نقل ـ أن الجني إنما يقال لما جني من ساعته.
قوله تعالى : (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) قرار العين كناية عن المسرّة يقال : أقرّ الله عليك أي سرّك ، والمعنى : فكلي من الرطب الجني الذي تسقط واشربي من السريّ الذي تحتك وكوني على مسرّة من غير أن تحزني ، والتمتع بالأكل والشرب من أمارات السرور والابتهاج فإن المصاب في شغل من التمتع بلذيذ الطعام ومريء الشراب ومصيبته شاغلة ، والمعنى : فكلي من الرطب الجنيّ وأشربي من السريّ وكوني على مسرّة ـ مما حباك الله به ـ من غير أن تحزني ، وأما ما تخافين من تهمة الناس ومساءلتهم فالزمي السكوت ولا تكلمي أحدا فأنا أكفيكهم.
قوله تعالى : (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) المراد بالصوم صوم الصمت كما يدلّ عليه التفريع الذي في قوله : (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) وكذا يستفاد من السياق أنه كان أمرا مسنونا في ذلك الوقت ولذك
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
