مرة.
قوله تعالى : (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) نهي بعد نهي عن الشرك ، وبيان أن الشرك يدخل الإنسان في زمرة الظالمين فيحق عليه ما أوعد الله به الظالمين في كلامه.
ومن لطيف التعبير قوله حين ذكر الدعاء (ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) وحين ذكر العبادة (الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) فإن العبادة بالطبع يعطي للمعبود شعورا وعقلا فناسب أن يعبر عنه بنحو (الَّذِينَ) المستعمل في ذوي العلم والعقل ، والدعاء وإن كان كذلك لمساوقته العبادة غير أنه لما وصف المدعو بما لا ينفع ولا يضر ، وربما توهم أن ذوي العلم والعقل يصح أن تنفع وتضر ، عبّر بلفظة «ما» ليلوّح الى أنها جماد لا يتخيل في حقهم إرادة نفع أو ضرر.
وفي التعبير نفسه أعني قوله : (ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) إعطاء الحجة على النهي عن الدعاء.
قوله تعالى : (إِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) الخ ؛ الجملة حالية وهي تتمة البيان في الآية السابقة ، والمعنى : ولا تدع من دون الله ما لا نفع لك عنده ولا ضرر ، والحال أن ما مسّك الله به من ضر لا يكشفه غيره وما أرادك به من خير لا يرده غيره فلهو القاهر دون غيره يصيب بالخير عباده بمشيئته وإرادته ، وهو مع ذلك غفور رحيم يغفر ذنوب عباده ويرحمهم ، واتصافه بهذه الصفات الكريمة وكون غيره صفر الكف منها يقتضي تخصيص العبادة والدعوة به.
قوله تعالى : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) وهو القرآن أو ما يشتمل عليه من الدعوة الحقة ، وقوله : (فَمَنِ اهْتَدى) الى آخر الآية ؛ إعلام لهم بكونهم مختارين فيما ينتخبونه لأنفسهم من غير أن يسلبوا الخيرة ببيان حقيقة هي ان الحق ـ وقد جاءهم ـ من حكمه ان من اهتدى اليه فإنما يهتدي ونفعه عائد اليه ، ومن ضل عنه فإنما يضل
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
