البعيدة.
فمعنى الآية : وقال موسى ـ وكان ذلك بعد يأسه من إيمان فرعون وملئه ويقينه بأنهم لا يدومون إلّا على الضلال والإضلال كما يدل عليه سياق كلامه في دعائه ـ ربّنا إنك جازيت فرعون وملأه على كفرهم وعتوّهم جزاء السوء فآتيتهم زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربّنا إرادة منك لأن يضلوا من اتّبعهم عن سبيلك ، وإرادتك لا تبطل وغرضك لا يلغو ربّنا أدم على سخطك عليهم واطمس على أموالهم وغيّرها عن مجرى النعمة الى مجرى النقمة ، واجعل قلوبهم مشدودة مربوطة فلا يؤمنوا حتى يقفوا موقفا لا ينفعهم الإيمان وهو زمان يرون فيه العذاب الإلهي.
وهذا الدعاء من موسى عليهالسلام على فرعون وملئه إنما هو بعد يأسه التام من إيمانهم ، وعلمه أنه لا يترقّب منهم في الحياة إلّا أن يضلوا ويضلوا كدعاء نوح على قومه فيما حكاه الله : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) (نوح / ٢٧) ، وحاشا ساحة الأنبياء عليهمالسلام أن يتكلموا على الخرص والمظنّة في موقف يشافهون فيه رب العالمين جلت كبرياؤه وعز شأنه.
قوله تعالى : (قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الخطاب ـ على ما يدل عليه السياق ـ لموسى وهارون ولم يحك الدعاء في الآية السابقة إلّا عن موسى ، وهذا يؤيد ما ذكره المفسّرون : أنّ موسى صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يدعو ، وكان هارون يؤمّن له وآمين دعاء فقد كانا معا يدعوان وإن كان متن الدعاء لموسى عليهالسلام وحده.
والاستقامة هو الثبات على الأمر ، وهو منهما عليهماالسلام الثبات على الدعوة الى الله وعلى إحياء كلمة الحق ، والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة من شعب إسرائيل وقد وصفهم موسى عليهالسلام بالجهل كما في قوله : (قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف / ١٣٨).
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
