وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد / ١٧) ، وسيجيء استيفاء البحث فيه في ذيل الآية إن شاء الله تعالى.
والحاصل أن موسى عليهالسلام إنما ذكر هذه الحقيقة لهم ليوقفهم على سنّة إلهية حقة غفلوا عنها ، وليهيىء نفوسهم لما سيظهره عملا من غلبة الآية المعجزة على السحر وظهور الحق على الباطل ، ولذا بادروا الى الإيمان حين شاهدوا المعجزة ، وألقوا أنفسهم على الأرض ساجدين على ما فصله الله سبحانه في مواضع أخرى من كلامه.
وقوله : (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) وذكر الإجرام من بين أوصافهم لأن فيه معنى القطع فكأنهم قطعوا سبيل الحق على أنفسهم وبنوا على ذلك بنيانهم فهم على كراهية من ظهور الحق ، ولذلك نسب الله كراهة ظهور الحق اليهم بما هم مجرمون في قوله : (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) وفي معناه قوله في اول الآيات : «فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ».
قوله تعالى : (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) الى آخر الآيتين ذكر بعض المفسرين أن الضمير في (قَوْمِهِ) راجع الى فرعون ، والذرية الذين آمنوا من قومه كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط فتبعوا أمهاتهم في الإيمان بموسى ؛ وقيل : الذرية بعض أولاد القبط ؛ وقيل : أريد بها امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ، وقد ذكرا في القرآن وجارية وامرأة هي مشاطة امرأة فرعون.
وذكر آخرون أن الضمير لموسى عليهالسلام والمراد بالذرية جماعة من بني إسرائيل تعلموا السحر وكانوا من أصحاب فرعون ؛ وقيل : هم جميع بني إسرائيل وكانوا ستمائة الف نسمة سمّاهم ذرية لضعفهم ؛ وقيل : ذرية آل إسرائيل ممن بعث اليهم موسى وقد هلكوا بطول العهد ، وهذه الوجوه ـ كما ترى ـ لا دليل على شيء منها في الآيات من جهة اللفظ.
والذي يفيده السياق وهو الظاهر من الآية أن يكون الضمير راجعا الى موسى والمراد
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
