ذلك ـ وذلك أن كلامهم مسوق سوق الاستعجال تعجيزا واستهزاء كما تدل على استعجالهم الآيات التالية وهذا نظير قولهم : (لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الحجر / ٧).
لقّن سبحانه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يبدأهم في الجواب ببيان أنه لا يملك لنفسه ضرّا حتى يدفعه عنها ولا نفعا حتى يجلبه اليها ويستعجل ذلك إلّا ما شاء الله أن يملكه من ضرّ ونفع فالأمر الى الله سبحانه جميعا ، واقتراحهم عليه بأن يعجّل لهم القضاء والعذاب من الجهل.
قوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) الى آخر الآيتين ، البيات والتبييت الإتيان ليلا ويغلب في الشر كقصد العدو عدوه ليلا.
ولما كان قولهم : (مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في معنى استعجال آية العذاب التي يلجئهم الى الإيمان رجع بعد بيان تحقق الوقوع الى توبيخهم وذمهم من الجهتين فوبّخهم أوّلا على استعجالهم بالعذاب ، وهو عذاب فجاءيّ من الحزم أن يكون الإنسان منه على حذر لا أن يستعجل فيه فقال تعالى ملقّنا لنبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) وأخبروني (إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً) ليلا (أَوْ نَهاراً) فإنه عذاب لا يأتيكم إلّا بغتة إذ لستم تعلمون وقت نزوله (ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ) من العذاب (الْمُجْرِمُونَ) أي ماذا يستعجلون منه وأنتم مجرمون لا يتخطاكم اذا أتاكم.
ففي قوله : (ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) التفات من الخطاب الى الغيبة وكأنّ النكتة فيه رعاية حالهم أن لا يشافهوا بصريح الشر وليكون تعرضا لملاك نزول العذاب عليهم وهو إجرامهم.
ووبّخهم ثانيا على تأخير إيمانهم الى حين لا ينفعهم الإيمان فيه وهو حين نزول العذاب فإنه آية العذاب يلجئهم الى الإيمان على ما هو المجرب من إيمان الإنسان عند إشراف الهلكة ،
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
