وعزتي ـ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ» أكرم النازلين بي وأحسن مثواهم ، وهذا تحريض لهم أن يعودوا اليه ثانيا ويأتوا اليه بأخيهم من أبيهم كما أن قوله في الآية التالية : (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ) تهديد لهم لئلا يعصوا أمره ، وكما أن قولهم في الآية : (سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) تقبل منهم لذلك في الجملة وتطييب لنفس يوسف عليهالسلام.
ثم من المعلوم أن قوله عليهالسلام أوان خروجهم : (ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) مع ما فيه من التأكيد والتحريض والتهديد ليس من شأنه أن يورد كلاما ابتدائيا من غير مقدمة وتوطئة تعمي عليهم وتصرفهم أن يتفطنوا أنه يوسف أو يتوهموا فيه ما يريبهم في أمره. وهو ظاهر. وقد أورد المفسرون في القصة من مفاوضته لهم وتكليمه إياهم أمورا كثيرة لا دليل على شيء منها من كلامه تعالى في سياق القصة ولا أثر يطمأن اليه في أمثال المقام.
وكلامه تعالى خال عن التعرض لذلك ، وإنما الذي يستفاد منه أنه سألهم عن خطبهم فأخبروه وهم عشرة أنهم إخوة وأن لهم أخا آخر بقي عند أبيهم لا يفارقه أبوه ولا يرضى أن يفارقه لسفر أو غيره فأحب العزيز أن يأتوا به اليه فيراه.
قوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ) الكيل بمعنى المكيل وهو الطعام ، ولا تقربون أي لا تقربوني بدخول أرضي والحضور عندي للامتيار واشتراء الطعام. ومعنى الآية ظاهر ، وهو تهديد منه لهم لو خالفوا عن أمره كما تقدم.
قوله تعالى : (قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) المراودة كما تقدم هي الرجوع في أمر مرة بعد مرة بالإلحاح أو الاستخدام ، ففي قولهم ليوسف عليهالسلام : (سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ) دليل على أنهم قصوا عليه قصته أن أباهم يضن به ولا يرضى بمفارقته له ويأبى أن يبتعد منه لسفر أو أي غيبة ، وفي قولهم : (أَباهُ) ولم قولوا : أبانا تأييد لذلك.
وقولهم : (وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) أي فاعلون للإتيان به أو للمراودة لحمله معهم والإتيان به اليه ، ومعنى الآية ظاهر ، وفيه تقبل منهم لذلك في الجملة وتطييب لنفس يوسف عليهالسلام
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
