وأما قوله : (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فيشير به الى ما ذكره من توحيد الله ونفي الشريك عنه ، والقيم هو القائم بالأمر القوي على تدبيره أو القائم على ساقه غير المتزلزل والمتضعضع ، والمعنى أن دين التوحيد وحده هو القوي على إدارة المجتمع وسوقه الى منزل السعادة ، والدين المحكم غير المتزلزل الذي فيه الرشد من غير غي والحقية من غير بطلان ، ولكن أكثر الناس لانسهم بالحس والمحسوس وانهما كهم في زخارف الدنيا الفانية حرموا سلامة القلب واستقامة العقل لا يعلمون ذلك ، وإنما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة معرضون.
أما أن التوحيد دين فيه الرشد ومطابقة الواقع فيكفي في بيانه ما أقامه عليهالسلام من البرهان ، وأما أنه هو القوي على إدارة المجتمع الإنساني فلأن هذا النوع إنما يسعد في مسير حياته إذا بنى سنن حياته وأحكام معاشه على مبنى حق مطابق للواقع فسار عليها لا إذا بناها على مبنى باطل خرافي لا يعتمد على أصل ثابت (١).
قوله تعالى : (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) معنى الآية ظاهر ، وقرينة المناسبة قاضية بأن قوله : (أَمَّا أَحَدُكُما) الخ ؛ تأويل رؤيا من قال منهما (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً) وقوله : (وَأَمَّا الْآخَرُ) الخ ؛ تأويل لرؤيا الآخر.
وقوله : (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) لا يخلو من إشعار بأن الصاحبين أو أحدكما كذب نفسه في دعواه الرؤيا ولعله الثاني لما سمع تأويل رؤياه بالصلب وأكل الطير من رأسه ، ويتأيد بهذا ما ورد من الرواية من طرق أئمة أهل البيت عليهمالسلام أن الثاني من الصاحبين قال له : إني كذبت فيما قصصت عليك من الرؤيا فقال عليهالسلام (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ)
__________________
(١) يوسف ٣٥ ـ ٤٢ : برهان على توحيد العبادة لله تعالى.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
