كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) فإن من البين أن أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب ، وكون القدّ من قبل يدل على منازعتهما ومصارعتهما بالمواجهة فالقضاء لها عليه ، وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين فإن كون القدّ من دبر يدل على هربه منها وتعقيبها إياه واجتذابها له الى نفسها فالقضاء له عليها. وهو ظاهر.
وأمّا من هذا الشاهد؟ فقد اختلف فيه المفسرون فقال بعضهم : كان رجلا حكيما أشار للعزيز بما أشار كما عن الحسن وقتادة وعكرمه ، وقيل : كان رجلا وهو ابن عم المرأة وكان جالسا من زوجها لدى الباب ، وقيل : لم يكن من الإنس ولا الجن بل خلقا من خلق الله كما عن مجاهد ، ورد بمنافاته الصريحة لقوله تعالى : (مِنْ أَهْلِها).
ومن طرق أهل البيت عليهمالسلام وبعض طرق أهل السنة أنه كان صبيا في المهد من أهلها ، وسيجيء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
والذي ينبغي أن ينظر فيه أن الذي أتى به هذا الشاهد بيان عقلي ودليل فكري يؤدي الى نتيجة هي القاضية لأحد هذين المتداعيين على الآخر ، ومثل هذا لا يسمى شهادة عرفا فإنها هي البيان المعتمد على الحس أو ما في حكمه وبالجملة القول الذي لا يعتمد على التفكير والتعقل كما في قوله : (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ) (حم السجدة / ٢٠) ، وقوله : (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) (المنافقون / ١) فإن الحكم بصدق الرسالة وإن كان في نفسه مستندا الى التفكر والتعقل لكن المراد بالشهادة تأدية ما عنده من الحق المعلوم قطعا من غير ملاحظة كونه عن تفكر وتعقل كما في موارد يعبر عنه فيها بالقول ونحوه.
فليس من البعيد أن يكون في التعبير عن قول هذا القائل بمثل (وَشَهِدَ شاهِدٌ) إشارة الى كون ذلك كلاما صدر عنه من غير ترو وفكر فيكون شهادة لعدم اعتماده على تفكر وتعقل لا قولا يعبر به عرفا عن البيان الذي يبتني على ترو وتفكر ، وبهذا يتأيد ما ورد من الرواية أنه
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
