وأتت بحكم عام عقلائي يتضمن مجازاة من قصد ذوات البعل بالفحشاء فقالت (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) فلم يصرح باسم يوسف وهو المريد ، ولا باسم نفسها وهي الأهل ، ولا باسم السوء وهو الزنا بذات البعل كل ذلك تأدبا في حضرة العزيز وتقديسا لساحته.
ولم يتعين الجزاء بل رددته بين السجن والعذاب الأليم لأن قلبها الواله اليه المليء بحبه ما كان يساعدها على التعيين فإن في الإبهام نوعا من الفرج إلّا أن في تعبيرها بقولها : (بِأَهْلِكَ) نوعا من التحريض عليه وتهييجه على مؤاخذته ولم يكن ذلك إلّا كيدا منها للعزيز بالتظاهر بالوجد والأسى لئلا يتفطن بواقع الأمر فيؤاخذها أما إذا صرفته عن نفسها المجرمة فإن صرفه عن مؤاخذة يوسف عليهالسلام لم يكن صعبا عليها تلك الصعوبة.
قوله تعالى : (قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) لم يبدأ يوسف عليهالسلام بالقول أدبا مع العزيز وصونا لها أن يرميها بالجرم لكن لما اتهمته بقصدها بالسوء لم ير بدا دون أن يصرح بالحق فقال (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) وفي الكلام دلالة على القصر وهي من قصر القلب أي لم اردها بالسوء بل هي التي أرادت ذلك فراودتني عن نفسي.
وفي كلامه هذا ـ وهو خال عن أقسام التأكيد كالقسم ونحوه ـ دلالة على سكون نفسه عليهالسلام وطمأنينته وأنه لم يحتشم ولم يجزع ولم يتملق حين دعوى براءته مما رمته به إذ كان لم يأت بسوء ولا يخافها ولا ما اتهمته وقد استعاذ بربه حين قال (مَعاذَ اللهِ).
قوله تعالى : (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) الى آخر الآيتين. لما كانت الشهادة في معنى القول كان قوله : (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ) الخ ؛ بمنزلة مقول القول بالنسبة اليه فلا حاجة الى تقدير القول قبل قوله : (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ) الخ ؛ وقد قيل : إن هذا القول لما أدى مؤدى الشهادة عبر عنه بلفظ الشهادة.
وقد أشار هذا الشاهد الى دليل ينحل به العقدة ويتضح طريق القضية فتكلم فقال (إِنْ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
