وقد راعى عليهالسلام في كلامه هذا أدب العبودية كله كما تقدم وقد أتى أولا بلفظة «الجلالة» ثم بصفة الربوبية ليدل به على أنه لا يعبد ربا غير الله ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
قوله تعالى : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) التدبر البالغ في أطراف القصة وإمعان النظر فيما محتف به الجهات والأسباب والشرائط العاملة فيها يعطي أن نجاة يوسف منها لم تكن إلّا أمرا خارقا للعادة وواقعة هي أشبه بالرؤيا منها باليقظة.
فقد كان يوسف عليهالسلام رجلا ومن غريزة الرجال الميل الى النساء ، وكان شابا بالغا أشده وذلك أو ان غليان الشهوة وثوران الشبق ، وكان ذا جمال بديع يدهش العقول ويسلب الألباب والجمال والملاحة يدعو الى الهوى والترح ، وكان مستغرقا في النعمة وهنيىء العيش محبورا بمثوى كريم وذلك من أقوى أسباب التهوس والإتراف ، وكانت الملكة فتاة فائقة الجمال وكذلك تكون حرم الملوك والعظماء.
وكانت لا محالة متزينة بما يأخذ بمجامع كل قلب ، وهي عزيزة مصر وهي عاشقة والهة تتوق اليها النفوس نفسها اليه ، وكانت لها سوابق الإكرام والإحسان والإنعام ليوسف وذلك كله مما يقطع اللسان ويصمت الإنسان ، وقد تعرضت له ودعته الى نفسها والصبر مع التعرض أصعب ، وقد راودته هذه الفتانة وأتت فيها بما في مقدرتها من الغنج والدلال ، وقد ألحت عليه فجذبته الى نفسها حتى قدت قميصه والصبر معها أصعب وأشق ، وكانت عزيزة لا يرد أمرها ولا يثنى رأيها ، وهي ربته خصه بها العزيز ، وكانا في قصر زاه من قصور الملوك ذي المناظر الرائقة التي تبهر العيون وتدعو الى كل عيش هنيىء.
وكانا في خلوة وقد غلقت الأبواب وأرخت الستور ، وكان لا يأمن الشر مع الامتناع ، وكان في أمن من ظهور الأمر وانهتاك الستر لأنها كانت عزيزة بيدها أسباب الستر والتعمية ، ولم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة بل كان مفتاحا لعيش هنيىء طويل ، وكان يمكن ليوسف
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
