وقولهم : (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) قضاء منهم على أبيهم بالضلال ويعنون بالضلال الاعوجاج في السليقة وفساد السيرة دون الضلال في الدين (١).
قوله تعالى : (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) تتمة قول إخوة يوسف والآية تتضمن الفصل الثاني من مؤامرتهم في مؤتمرهم الذي عقدوه في أمر يوسف ليرسموا بذلك خطة تريح نفوسهم منه كما ذكره تعالى بقوله : (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (الآية ١٠٢ من السورة).
وقد ذكر الله سبحانه متن مؤامرتهم في هذه الآيات الثلاث «قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ـ الى قوله ـ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ».
فأوردوا أولا ذكر مصيبتهم في يوسف وأخيه إذ صرفا وجه يعقوب عنهم الى أنفسهما وجذبا نفسه اليهما عن سائر الأولاد فصار يلتزمهما ولا يعبأ بغيرهما ما فعلوا ، وهذه محنة حالة بهم توعدهم بخطر عظيم في مستقبل الامر فيه سقوط شخصيتهم وخيبة مسعاهم وذلتهم بعد العزة وضعفهم بعد القوة ، وهو انحراف من يعقوب في سيرته وطريقته.
ثم تذاكروا ثانيا في طريق التخلص من الرزية بطرح كل منهم ما هيأه من الخطة ويراه من الرأي فأشار بعضهم الى لزوم قتل يوسف ، وآخرون الى طرحه أرضا بعيدة لا يستطيع معه العود الى أبيه واللحوق بأهله فينسى بذلك اسمه ويمحو رسمه فيخلو وجه أبيهم لهم وينبسط حبه وحبائه فيهم.
ثم اتفقوا على ما يقرب من الرأي الثاني وهو أن يلقوه في قعر بئر ليلتقطه بعض السيارة
__________________
(١) يوسف ٧ ـ ٢١ : بحث في معنى قول ابناء يعقوب (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) علة حسد اخوان يوسف عليه ؛ ان يعقوب كان يحبّ يوسف واخاه في الله.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
