وبإنكار البعث والمعاد ينعطف همّ الانسان على الحياة الدنيا فان الانسان وكذا كل موجود ذي حياة له همّ فطري ضروري في بقائه وطلب لسعادة تلك الحياة فان كان مؤمنا بحياة دائمة تسع الحياة الدنيوية والاخروية معا فهو ، وإن لم يذعن إلّا بهذه الحياة المحدودة الدنيوية علقت همّته الفطرية بها ، ورضي بها وسكن بسببها عن طلب الآخرة ، وهو المراد بقوله : (وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها).
ومن هنا يظهر أن الوصف الثاني أعني قوله : (وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها) من لوازم القول الأول أعني قوله : (لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) وهو بمنزلة المفسر بالنسبة اليه ، وأن الباء في قوله : (اطْمَأَنُّوا بِها) للسببية اي سكنوا بسببها عن طلب اللقاء وهو الآخر.
وقوله : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ) في محل التفسير لما تقدمه من الوصف لمكان ما بينهما من التلازم فان نسيان الآخرة وذكر الدنيا لا ينفك عن الغفلة عن آيات الله.
وقوله : (أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) لبيان لجزائهم بالنار الخالدة قبال أعمالهم التي كسبوها.
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ) الى آخر الآية ، هذا بيان لعاقبة أمر المؤمنين وما يثيبهم الله على استجابتهم لدعوته وطاعتهم لأمره.
ذكر سبحانه أنه يهديهم بإيمانهم ، وإما يهديهم الى ربهم لأن الكلام في عاقبة أمر من يرجو لقاء الله ، وقد قال تعالى : (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) (الرعد / ٢٧). فإنما يهدي الإيمان بإذن الله الى الله سبحانه وكلما اهتدى المؤمنون الى الحق او الى الصراط المستقيم او غير ذلك مما يشتمل عليه كلامه فإنما هي وسائل ومدارج تنتهي بالآخرة اليه تعالى ، قال تعالى : (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) (النجم / ٤٢).
وقد وصف المؤمنين بالإيمان والأعمال الصالحة ثم نسب هدايتهم اليه الى الإيمان وحده فإن
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
