وقوله : (أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) الإلزام جعل الشيء مع الشيء بحيث لا يفارقه ولا ينفكّ منه ، والمراد بإلزامهم الرحمة وهم لها كارهون إجبارهم على الايمان بالله وآياته والتلبّس بما يستدعيه المعارف الالهية من النور والبصيرة.
ومعنى الآية ـ والله اعلم ـ اخبروني إن كانت عندي آية معجزة تصدّق رسالتي مع كوني بشرا مثلكم وكانت عندي ما تحتاج اليه الرسالة من كتاب وعلم يهديكم الى الحق لكن لم يلبث دون ان اخفاه عليكم عنادكم واستكباركم أيجب علينا عندئذ ان نجبركم عليها؟ اي عندي جميع ما يحتاج اليه رسول من الله في رسالته وقد أوقفتكم عليه لكنكم لا تؤمنون به طغيانا واستكبارا وليس عليّ ان أجبركم عليها ، إذ لا إجبار في دين الله سبحانه.
قوله تعالى : (وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) يريد به الجواب عما اتهموه به من الكذب ولازمه ان تكون دعوته طريقا الى جلب اموالهم واخذ ما في ايديهم طمعا فيه فإنه إذا لم يسألهم شيئا من اموالهم لم يكن لهم ان يتهموه بذلك.
قوله تعالى : (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ) جواب عن قولهم : (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ) وقد بدل لفظة الأراذل ـ وهي لفظة إرزاء وتحقير ـ من قوله : الذين آمنوا تعظيما لأمر إيمانهم وإشارة الى ارتباطهم بربهم.
نفى في جوابه ان يكون يطردهم وعلل ذلك بقوله : (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) إيذانا بأن لهم يوما يرجعون فيه الى الله فيحاسبهم على اعمالهم فيجازيهم على ما عملوه من خير او شر فحاسبهم على ربهم وليس لغيره من الأمر شيء ، فليس على نوح عليهالسلام ان يحاسبهم فيجازيهم بشيء لكن القوم لجهالتهم يتوقعون على الفقراء والمساكين والضعفاء ان يطردوا من مجتمع الخير ويسلبوا النعمة والشرافة والكرامة.
فظهر ان المراد بقوله : (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) الإيمان الى محاسبة الله سبحانه إياهم
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
