مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ) الخ ؛ فتدبّر فيها.
فقوله : (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) جواب عن قولهم : (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) يريدون به أنه ليس معه إلّا البشرية التي يماثلهم فيها ويماثلونه فبأي شيء يدّعي وجوب اتّباعهم له؟ بل هو كاذب يريد بما يدّعيه من الرسالة أن يصطادهم فيقتنص بذلك اموالهم ويترأس عليهم.
وإذ كان هذا القول منهم متضمنا لنفي رسالته وسندهم في ذلك أنه بشر لا أثر ظاهر معه يدل على الرسالة والاتصال بالغيب كان من الواجب تنبيههم على ما يظهر به صدقه في دعوى الرسالة وهو الآية المعجزة الدالّة على صدق الرسول في دعوى الرسالة فإن الرسالة نوع من الاتصال بالغيب خارق للعادة الجارية لا طريق الى العلم بتحققه إلّا بوقوع امر غيبي آخر خارق للعادة يوقن به كون الرسول صادقا في دعواه الرسالة ، ولذلك اشار عليهالسلام بقوله : (يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) الى أن معه بينة من الله وآية معجزة تدل على صدقه في دعواه.
وقوله : (وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) الظاهر انه عليهالسلام يشير به الى ما آتاه الله تعالى من الكتاب والعلم ، وقد تكرر في القرآن الكريم تسمية الكتاب وكذا تسمية العلم بالله وآياته رحمة قال تعالى : (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً) (هود / ١٧) ، وقال : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً) (النحل / ٨٩) ، وقال : (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) (الكهف / ٦٥) وقال : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) (آل عمران / ٨).
وأما قوله : (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) فالظاهر ان ضميره راجع الى الرحمة ، والمراد أن ما عندي من العلم والمعرفة اخفاها عليكم جهلكم وكراهتكم للحق بعد ما ذكّرتكم به وبثثته فيكم.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
