من الجن والإنس ثم عجزوا كان ذلك دليلا واضحا يدلهم على أن القرآن فوق كلام البشر وتمّت بذلك الحجة عليهم ، وأما عدم استجابة الكفار للمعارضة فليس يدل على كونه من عند الله لأنهم لم يأتمروا بما أمروا به بقوله : (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ) إما لعلمهم بأنه كلام الله الحق وإنما كان قولهم : (افْتَراهُ) قولا ناشئا عن العناد واللجاج لا عن إذعان به او شك فيه ، او لأنهم كانوا آئسين من استجابة شركائهم للدعوة على المعارضة ، او لأنهم كانوا هازلين في قولهم ذلك يهذرون هذرا.
وبالجملة عدم استجابة المشركين للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم او للمؤمنين او لهم جميعا لا يدلّ بنفسه على كون القرآن نازلا من عند الله إلّا اذا كان عدم الاستجابة المذكورة بعد تحقق دعوتهم شركاءهم الى المعارضة وعدم استجابتهم لهم ، ولم يتحقق من المشركين دعوة على هذه الصفة ، ومجرد عدم استجابة المشركين انفسهم لا ينفع شيئا ، ولا يبقى إلّا أن يقال : إن معنى الآية : فإن دعا المشركون من استطاعوا من دون الله فلم يستجيبوا لهم ولم يستجب المشركون لكم أيها النبي ومعاشر المؤمنين فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ، الخ ؛ وهذا هو الذي أومأنا اليه آنفا أنه تقييد للآية من غير مقيّد.
على أن فيه امرا للمؤمنين أن يهتدوا في ايمانهم ويقينهم بأمر فرضيّ غير واقع وكلامه تعالى يجلّ عن ذلك ، ولو أريدت الدلالة على أنهم غير قادرين على ذلك وإن دعوا شركاءهم الى المعارضة كان من حق الكلام أن يقال : فإن لم يستجيبوا لكم ولن يستجيبوا فاعلموا ، الخ ؛ كما قيل كذلك في نظيره قال تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (البقرة / ٢٤).
قوله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ) التوفية إيصال الحق الى صاحبه وإعطاؤه له بكماله ، والبخس
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
