وقد ورد الوعد بعين ما ذكر في هذه الآية أعني المغفرة والأجر الكبير للمؤمنين في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (فاطر / ٧) ، وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (الملك / ١٢).
قوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) الى آخر الآية ؛ لما كانت رسالة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بما أيدت به من القرآن الكريم والآيات البينات والحجج والبراهين مما لا يسع لذي عقل إنكارها ولا لانسان صحيح المشاعر ردها والكفر بها كان ما حكى من كفر الكافرين وإنكار المشركين أمرا مستبعدا بحسب الطبع ، وإذا كان وقوع أمر على صفة من الصفات مستبعدا أخذ الانسان في تقرير ذلك الأمر من غير مجرى الاستبعاد طلبا للمخرج من نسبة الوقوع الى ما يستبعده الطبع.
ولما كان المقام في الآية الكريمة هذا المقام وكان ما حكاه الله سبحانه من كفر المنكرين وإنكار المشركين لما جاء به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم اليهم من الحق الصريح وما أنزل اليه من كلام الله تعالى مع ما يتلوه من البينات والحجج ما لا ينبغي أن يذعن به لبعده طبعا بيّن تعالى لذلك وجها بعد وجه على سبيل الترجي فقال «ولعلك تارك بعض ما يوحى اليك» الخ ؛ (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) الخ.
فكأنه قيل : من المستبعد أن تهديهم الى الحق الواضح ويسمعوا منك كلامي ثم لا يستجيبوا دعوتك ويكفروا بالحق بعد وضوحه فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وغير داعيهم اليه ولذلك جبّهوك بالإنكار أم يقولون إن القرآن ليس من كلام الله بل هو افتراء افتريته على الله ولذلك لم يؤمنوا به. فإن كنت تركت بعض الوحي خوفا من اقتراحهم عليك الآيات فإنما أنت نذير وليس لك إلّا ما شاء الله ، وان يقولوا افتراه فقل لهم يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، الخ.
وقوله : (تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ) إنما ذكر البعض لأن الآيات السابقة
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
