جزاء كفرهم بالميثاق خاصة فإن سواء السبيل الذي ضلوه هو سبيل السعادة التي بها عمارة دنياهم وأخراهم.
فقوله : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) الظاهر أنه هو الكفر الذي توعد الله عليه في الآية السابقة ، ولفظة «ما» في قوله : (فَبِما) للتأكيد ، ويفيد الإبهام لغرض التعظيم أو التحقير أو غيرهما ، والمعنى : فبنقض ما منهم لميثاقهم (لَعَنَّاهُمْ) واللعن هو الإبعاد من الرحمة (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) وقسوة القلب مأخوذ من قسوة الحجارة وهي صلابتها والقسي من القلوب ما لا يخشع لحق ولا يتأثر برحمة ، قال تعالى : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (الحديد / ١٦).
وبالجملة عقبت قسوة قلوبهم أنهم عادوا (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) بتفسيرها بما لا يرضى به الله سبحانه وبإسقاط أو زيادة أو تغيير ، فكل ذلك من التحريف ، وأفضاهم ذلك أن فاتهم حقائق ناصعة من الدين (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) ولم يكن إلا حظا من الاصول التي تدور على مدارها السعادة ، ولا يقوم مقامها إلا ما يسجل عليهم الشقوة اللازمة كقولهم بالتشبيه ، وخاتمية نبوة موسى ، ودوام شريعة التوراة ، وبطلان النسخ والبداء الى غير ذلك.
(وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) أي على طائفة خائنة منهم ، أو على خيانة منهم (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وقد تقدم مرارا ان استثناء القليل منهم لا ينافي ثبوت اللعن والعذاب للجماعة التي هي الشعب والامة.
قوله تعالى : (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا) ، قال الرغب : غرى بكذا أي لهج به ولصق ، وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به ، وأغريت فلانا بكذا نحو ألهجت به.
وقد كان المسيح عيسى بن مريم نبي رحمة يدعو الناس الى الصلح والسلم ، ويندبهم الى
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
