وثانيا : أن قوله : (أَوْ عَلى سَفَرٍ) شق برأسه يبتلي به الإنسان اتفاقا ، ويغلب عليه فيه فقدان الماء ، فليس بمقيد بقوله : (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ) الخ ؛ بل هو معطوف على قوله : (فَاغْسِلُوا) والتقدير : اذا قمتم الى الصلاة وكنتم على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا ، فحال هذا الفرض في إطلاقه وعدم تقيده بوقوع أحد الحدثين حال المعطوف عليه أعني قوله : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الخ ؛ فكما لم يحتج الى التقييد ابتداء لم يحتج اليه ثانيا عند العطف.
وثالثا : أن قوله : (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) شق آخر مستقلا وليس كما قيل : إن «أو» فيه بمعنى الواو كقوله تعالى : (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات / ١٤٧) لما عرفت من عدم الحاجة الى ذلك. على أن «أو» في الآية المستشهد بها ليس إلا بمعناها الحقيقي ، وإنما الترديد راجع الى كون المقام مقاما يتردد فيه بالطبع لا لجهل في المتكلم كما يقال بمثله في الترجي والتمني الواقعين في القرآن كقوله : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة / ٢١) ، وقوله : (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة / ١٠٢).
وحكم هذه الجملة في العطف حكم سابقتها ، والتقدير : اذا قمتم الى الصلاة وكان جاء أحد منكم من الغائط ولم تجدوا ماء فتيمموا.
وليس من البعيد أن يستفاد من ذلك عدم وجوب اعادة التيمم أو الوضوء لمن لم تنتقض طهارته بالحدث الأصغر إن كان على طهارة بناء على مفهوم الشرط فيتأيد به من الروايات ما يدل على عدم وجوب التطهر لمن كان على طهارة.
وفي قوله تعالى : (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) من الأدب البارع ما لا يخفى للمتدبر حيث كني عن المراد بالمجيء من الغائط ، والغائط هو المكان المنخفض من الأرض وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ليتستروا به من الناس تأدّبا ، واستعمال الغائط في معناه المعروف اليوم استعمال مستحدث من قبيل الكنايات المبتذلة كما أن لفظ العذرة كذلك ، والأصل في معناها عتبة الباب سميت بها لأنهم كانوا يخلون ما اجتمع في كنيف البيت فيها على
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
