إذ عرفت ذلك علمت أنه يرد عليه أولا : أن ما ذكر من معنى كمال الدين لا يصدق عليه قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وقد مر بيانه.
وثانيا : أنه كيف يمكن ان يعد الله سبحانه الدين بصورته التي كان يترائى عليها كاملا وينسبه إلى نفسه امتنانا بمجرد خلوّ الأرض من ظاهر المشركين ، وكون المجتمع على ظاهر الاسلام فارغا من أعدائهم المشركين ، وفيهم من هو أشد من المشركين إضرارا وإفسادا ، وهم المنافقون على ما كانوا عليه من المجتمعات السرية والتسرب في داخل المسلمين ، وإفساد الحال ، وتقليب الامور ، والدس في الدين ، وإلقاء الشبه ، فقد كان لهم نبأ عظيم تعرّض لذلك آيات جمّة من القرآن كسورة المنافقين وما في سورة البقرة والنساء والمائدة والأنفال والبراءة والأحزاب وغيرها.
فليت شعري أين صار جمعهم؟ وكيف خمدت أنفاسهم؟ وعلى أي طريق بطل كيدهم وزهق باطلهم؟ وكيف يصح مع وجودهم أن يمتن الله يومئذ على المسلمين بإكمال ظاهر دينهم ، وإتمام ظاهر النعمة عليهم ، والرضا بظاهر الاسلام بمجرد أن دفع من مكة أعداءهم من المسلمين ، والمنافقون أعدى منهم وأعظم خطرا وأمرّ أثرا! وتصديق ذلك قوله تعالى يخاطب نبيه فيهم : (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) (المنافقون / ٤).
وكيف يمتن الله سبحانه ويصف بالكمال ظاهر دين هذا باطنه ، أو يذكر نعمه بالتمام وهي مشوبة بالنقمة ، أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه! وقد قال تعالى (وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) (الكهف / ٥١). وقال في المنافقين : ـ ولم يرد إلا دينهم ـ (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) (البراءة / ٩٦). والآية بعد هذا كله مطلقة لم تقيّد شيئا من الإكمال والاتمام والرضا ولا الدين والاسلام والنعمة بجهة دون جهة.
فإن قلت : الآية ـ كما تقدمت الاشارة إليه ـ إنجاز للوعد الذي يشتمل عليه قوله تعالى : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
