ثم فرع على ذلك قوله : (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) وسياقه سياق اعتزاز منه تعالى وتسلية للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتطييب لنفسه لئلا يوهنه الحزن ويفسخ عزيمته في الدعوة الدينية ما يشاهده من كفر قومه واستكبارهم وعمههم في طغيانهم فمعناه أن لا تحزن بما تراه من كفرهم بهذه الهداية الإلهية والطريقة التي تشتمل عليها الكتاب والحكم والنبوة التي آتيناها سلسلة المهديين من الأنبياء الكرام فإنا قد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فلا سبيل للضيعة والزوال الى هذه الهداية الإلهية لانا وكلناهم بها واعتمدنا عليهم فيها وأولئك غير كافرين بها البتة. فهؤلاء قوم لا يتصوّر في حقهم كفر ولا يدخل في قلوبهم شرك لان الله وكلهم بها واعتمد عليهم فيها وحفظها بهم ولو جاز عليهم الشرك وأمكن فيهم التخلف كان الاعتماد عليهم فيها خطاء وضلالا والله سبحانه لا يضل ولا ينسى.
فالآية تدل ـ والله أعلم ـ على أن لله سبحانه في كل زمان عبدا أو عبادا موكلين بالهداية الإلهية والطريقة المستقيمة التي يتضمنها ما آتاه أنبياءه من الكتاب والحكم والنبوة يحفظ الله بهم دينه عن الزوال وهدايته عن الانقراض ، ولا سبيل للشرك والظلم إليهم لاعتصامهم بعصمة إلهية وهم أهل العصمة من الأنبياء الكرام وأوصيائهم عليهمالسلام.
فالآية خاصة بأهل العصمة وقصارى ما يمكن أن يتوسع به أن يلحق بهم الصالحون من المؤمنين ممن اعتصم بعصمة التقوى والصلاح ومحض الإيمان عن الشرك والظلم ، وخرج بذلك عن ولاية الشيطان قال تعالى : (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل / ٩٩) إن صدق عليهم أن الله وكلهم بها واعتمد عليهم فيها.
قوله تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) الى آخر الآية ؛ عاد ثانيا الى تعريفهم بما فيه تعريف الهدى الإلهي فالهدى الإلهي لا يتخلف عن شأنه وأثره وهو الإيصال الى المطلوب قال تعالى : (فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ) (النحل / ٣٧).
وقد أمر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله : (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) بالاقتداء ـ وهو الاتباع ـ بهداهم لا بهم
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
