وما أورده في الاحتجاج على حجاجهم في الله سبحانه هو قوله : (أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ) أي إني واقع في أمر مفروغ عنه ومهتد بهداية ربي حيث آتاني العلم بما أراني من ملكوت السماوات والأرض وألهمني بذلك حجة أنفي بها ربوبية غيره من الأصنام والكواكب ، وأني لا استغني عن رب يدبر أمري فأنتج لي أنه هو الرب وحده لا شريك له ، واذ هداني إليه فأنا في غنى عن الإصغاء الى حجتكم والبحث عن الربوبية ثانيا فإن البحث إنما ينفع الطالب ولا طلب بعد الوصول الى الغاية.
هذا ما يعطيه ظاهر الآية بالتبادر الى الذهن لكن هناك معنى أدق من ذلك يظهر بالتدبر وهو أن قوله : (وَقَدْ هَدانِ) استدلال بنفس الهداية لا استغناء بالهداية عن الاستدلال وتقريره : أن الله هداني بما علمني من الحجة على نفي ربوبية غيره وإثبات ربوبيته ، ونفس هدايته دليل على أنه رب ولا رب غيره فإن الهداية الى الرب من جملة التدبير فهي شأن من هو رب ، ولو لم يكن الله سبحانه هو ربي لم يكن ليهديني ولا قام بها الى الذي هو الرب لكن الله هو هداني فهو ربي.
ولم يكن لهم أن يقولوا : إن الذي علمك ما علمت وألهمك الحجة هو بعض آلهتنا لأن الشيء لا يهدي الى ما يضره ويميت ذكره ويفسد أمره فاهتداؤه عليهالسلام الى نفي ربوبيتها لا يصح أن ينسب إليها ، هذا.
ولكن كان لهم أن يقولوا أو أنهم قالوا : إن ذلك من فعل بعض آلهتنا فعل بك ذلك قهرا وسخطا أبعدك عن القول بربوبيتها ولقنك هذه الحجج لما وجد من فساد رأيك وعلّة نفسك نظير ما شافهت به عاد هودا عليهالسلام لما دعاهم الى توحيد الله سبحانه واحتج عليهم بأن الله هو الذي يجب أن يرجي ويخاف ، وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر فردّوا عليه بأن بعض آلهتنا اعتراك بسوء قال تعالى في قصتهم حكاية عن هود عليهالسلام : (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ، قالُوا يا هُودُ ـ الى أن
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
