حكي من كلام إبراهيم مع قومه في أمر الأصنام ظهورا لا شك فيه أنه كان على بيّنة من ربه وله من العلم بالله وآياته ما لا يخفى عليه معه أن الله سبحانه أنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية ، قال تعالى حكاية عنه في محاورة له مع أبيه : (يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا) الى آخر الآيات (مريم / ٤٣).
قوله تعالى : (فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) الأفول الغروب وفيه إبطال ربوبية الكوكب بعروض صفة الافول له فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممن طلع عليه ولا يستقيم تدبير كوني مع الانقطاع.
على ان الربوبية والمربوبية بارتباط حقيقي بين الرب والمربوب وهو يؤدي الى حب المربوب لربه لإنجذابه التكويني إليه وتبعيّته له ، ولا معنى لحب ما يفنى ويتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله ، وما يشاهد من ان الانسان يحب كثيرا الجمال المعجّل والزينة الداثرة فإنما هو لاستغراقه فيه من غير ان يلتفت الى فنائه وزواله فمن الواجب ان يكون الرب ثابت الوجود غير متغير الأحوال كهذه الزخارف المزوّقه التي تحيا وتموت وتثبت وتزول وتطلع وتغرب وتظهر وتخفى وتشب وتشيب وتنضر وتشين ، وهذا وجه برهاني وان كان ربما يتخيل انه بيان خطابي أو شعري فافهم ذلك.
وعلى أي حال فهو عليهالسلام أبطل ربوبية الكوكب بعروض الافول له إما بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لأفوله لأن المربوبية والعبودية متقومة بالحب فليس يسع من لا يحب شيئا أن يعبده وقد ورد في المروي عن الصادق عليهالسلام : «هل الدين إلا الحب»؟ وقد بيّنا ذلك فيما تقدم.
وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب وإنما ذكر الافول ليوجه به عدم حبه له المنافي للربوبية لان الربوبية والالوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق به الحب الغريزي الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق الربوبية ، وهذا الوجه هو الظاهر يتكىء عليه سياق الإحتجاج في الآية.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
