بطون الارض المظلمة ولا يسقط من رطب ولا من يابس أيا ما كان إلا يعلمها ، وعلى هذا فقوله (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) بدل من قوله : (إِلَّا يَعْلَمُها) سد مسده ، وتقديره إلا هو واقع مكتوب في كتاب مبين.
وتوصيف الكتاب بالمبين إن كان بمعنى المظهر إنما هو لكونه يظهر لقارئه كل شيء على حقيقة ما هو عليه من غير أن يطرأ عليه إبهام التغير والتبدل وسترة الخفاء في شيء من نعوته ، وإن كان المبين بمعنى الظاهر فهو ذلك أيضا لان الكتاب في الحقيقة هو المكتوب ، والمكتوب هو المحكي عنه ، واذا كان ظاهرا لا سترة عليه ولا خفاء فيه فالكتاب كذلك.
قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) التوفي أخذ الشيء بتمامه ، ويستعمله الله سبحانه في كلامه بمعنى أخذ الروح الحية كما في حال الموت كما في قوله في الآية التالية : (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا).
قد عد الإنامة توفيا كما عد الإماتة توفيا على حد قوله : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) (الزمر / ٤٣) لاشتراكهما في انقطاع تصرف النفس في البدن كما أن البعث بمعنى الإيقاظ بعد النوم يشارك البعث بمعنى الإحياء بعد الموت في عود النفس الى تصرفها في البدن بعد الانقطاع ، وفي تقييد التوفي بالليل كالبعث بالنهار جري على الغالب من أن الناس ينامون بالليل ويستيقظون بالنهار.
وفي قوله تعالى : (يَتَوَفَّاكُمْ) دلالة على أن الروح تمام حقيقة الإنسان الذي يعبر عنه بأنا لا كما ربما يتخيل لنا أن الروح أحد جزئي الإنسان لاتمامه أو أنها هيئة أو صفة عارضة له ، وأوضح منه دلالة قوله تعالى : (وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة / ١١) فإن استبعاد الكفار مبني على حقيقة الإنسان هو البدن الذي يتلاشى ويفسد بانحلال التركيب بالموت فيضل في الارض ، والجواب مبني على كون حقيقته هو الروح (النفس) واذ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
