ومعنى الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به أو أعرضوا عنه آتيناهم من كل نعمة استدراجا حتى اذا تمت لهم النعم وفرحوا بما اوتوا منها أخذناهم فجأة فانخمدت أنفاسهم ولا حجة لهم لاستحقاقهم ذلك.
قوله تعالى : (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) دبر الشيء مقابل قبله وهما الجزءان : المقدم والمؤخر من الشيء ولذا يكنى بهما عن العضوين المخصوصين ، وربما توسع فيهما فاطلقا على ما يلي الجزء المقدم أو المؤخر فينفصلان عن الشيء ، وقد اشتق منهما الأفعال بحسب المناسبة نحو أقبل وأدبر وقبّل ودبر وتقبل وتدبر واستقبل واستدبر ، ومن ذلك اشتقاق دابر بمعنى ما يقع خلف الشيء ويليه من ورائه ، ويقال : أمس الدابر أي الواقع خلف اليوم كما يقال : عام قابل ، ويطلق الدابر بهذا المعنى على أثر الشيء كدابر الإنسان على أخلافه وسائر آثاره ، فقوله : (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي أن الهلاك استوعبهم فلم يبق منهم عينا ولا أثرا أو أبادهم جميعا فلم يخلص منهم أحد كما قال تعالى : (فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) (الحاقة / ٨).
ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله : (دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) دون أن يقال : دابرهم للدلالة على سبب الحكم وهو الظلم الذي أفنى جمعهم وقطع دابرهم ، وهو مع ذلك يمهد السبيل الى إيراد قوله : (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).
ومن هذه الآية بما تشتمل على وصفهم بالظلم وعلى حمده تعالى بربوبيته تتحصل الدلالة على أن اللوم والسوء في جميع ما حل بهم من عذاب الاستئصال يرجع إليهم لأنهم القوم الذين ظلموا ، وأنه لا يعود إليه تعالى إلا الثناء الجميل لأنه لم يأت في تدبير أمرهم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة ، ولم يسقهم في سبيل ما انتهوا إليه إلا الى ما ارتضوه بسوء اختيارهم فقد تحقق أن الخزي والسوء على الكافرين ، وأن الحمد لله رب العالمين.
قوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ) الى آخر الآية ؛ أخذ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
