حال الاضطرار.
قوله تعالى : (فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) الخ ؛ «لو لا» للتحضيض أو للنفي ، وعلى أي حال تفيد في المقام فائدة النفي بدليل قوله : (وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وقسوة القلب مقابل لينه ، وهو كون الإنسان لا يتأثر عن مشاهدة ما يؤثر فيه عادة أو عن استماع كلام شأنه التأثير.
والمعنى : فلم يتضرعوا حين مجيء البأس ولم يرجعوا الى ربهم بالتذلل بل أبت نفوسهم أن تتأثر عنه ، وتلهوا بأعمالهم الشيطانية الصارفة لهم عن ذكر الله سبحانه ، وأخلدوا الى الأسباب الظاهرة التي كانوا يرون استقلالها في إصلاح شأنهم.
قوله تعالى : (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) الخ ؛ المراد بفتح أبواب كل شيء إيتاؤهم من كل نعمة من النعم الدنيوية التي يتنافس فيها الناس للتمتع من مزايا الحياة من المال والبنين وصحة الأبدان والرفاهية والخصب والأمن والطول والقوة ، كل ذلك توفيرا من غير تقتير ومنع كما أن خزانة المال اذا أعطي منها أحد بقدر وميزان فتح بابها فاعطي ما أريد ثم سد ، وأما اذا أريد الإعطاء من غير تقدير فتح بابها ولم يسد على وجه قاصده بالجملة كناية عن إيتائهم أنواع النعم من غير تقدير على ما يساعده المقام.
على أن فتح الباب إنما يناسب بحسب الطبع الحسنات والنعم وأما السيئات والنقم فإنما تتحقق بالمنع ويناسبها سد الباب كما يلمح إليه قوله تعالى : (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) (فاطر / ٢).
ومبلسون من أبلس إبلاسا ، قال الراغب : الإبلاس الحزن المعترض من شدة اليأس ـ الى أن قال ـ ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه ، قيل : أبلس فلان اذا سكت واذا انقطعت حجته ، انتهى. وعلى هذا المعنى المناسب لقوله : (فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) أي خامدون منقطعون الحجة.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
