فأكله الرجال والنساء جميعا ، وإن كانت أنثى شقوا أذنها فتلك البحيرة ثم لا يجزّ لها وبر ، ولا يذكر لها اسم الله إن ذكيت ، ولا حمل عليها ، وحرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئا ، ولا أن ينتفعن بها ، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت فإذا ماتت اشتركت الرجال والنساء في أكلها ، عن ابن عباس ، وقيل : إن البحيرة بنت السائبة ، عن محمد بن إسحاق.
وأما السائبة ففي المجمع أنها ما كانوا يسيبونه فإن الرجل اذا نذر القدوم من سفر أو البرء من علة أو ما أشبه ذلك قال : ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ، وأن لا تخلى عن ماء ولا تمنع من مرعى ، عن الزجاج ، وهو قول علقمة.
قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ) الى آخر الآية في حكاية دعوتهم الى ما أنزل الله الى الرسول الذي شأنه البلاغ فقط فالدعوة دعوة الى الحق وهو الصدق الخالي عن الفرية ، والعلم المبرى من الجهل فإن الآية السابقة تجمع الافتراء وعدم التعقل في جانبهم فلا يبقى لما يدعون اليه ـ أعني جانب الله سبحانه ـ إلا الصدق والعلم.
لكنهم ما دفعوه إلا بالتقليد حيث قالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ، والتقليد وإن كان حقا في بعض الأحيان وعلى بعض الشروط وهو رجوع الجاهل الى العالم ، وهو مما استقر عليه سير المجتمع الإنساني في جميع أحكام الحياة التي لا يتيسر فيها للانسان أن يحصّل العلم بما يحتاج الى سلوكه من الطريق الحيوي ، لكن تقليد الجاهل في جهله بمعنى رجوع الجاهل الى جاهل آخر مثله مذموم في سنة العقلاء كما يذم رجوع العالم الى عالم آخر بترك ما يستقلّ بعمله من نفسه والأخذ بما يعلم غيره.
ولذلك ردّه تعالى بقوله (أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) ومفاده أن العقل ـ لو كان هناك عقل ـ لا يبيح للانسان الرجوع الى من لا علم عنده ولا اهتداء فهذه سنّة الحياة لا تبيح سلوك طريق لا تؤمن مخاطره ، ولا يعلم وصفه لا بالاستقلال ولا باتباع من له به خبرة.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
