قوله تعالى : (ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) التوبة من الله على عباده رجوعه تعالى بالرحمة اليهم ، وهذا يدل على أن الله سبحانه قد كان بعدهم من رحمته وعنايته ولذلك أخذهم الحسبان المذكور ولزمهم العمى والصمم ، لكن الله سبحانه رجع اليهم ثانية بالتوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم ، والعمى والصمم عن أبصارهم وآذانهم ، فعرفوا أنفسهم بأنهم عباد لا كرامة لهم على الله إلا بالتقوى ، وأبصروا الحق وسمعوا عظة الله لهم بلسان أنبيائه فتبين لهم أن التسمي لا ينفع شيئا.
ثم عموا وصموا كثير منهم ، وإسناد العمى والصمم الى جمعهم أولا ثم الى كثير منهم ـ بإتيان كثير منهم بدلا من واو الجمع ـ أخذ بالنصفة في الكلام بالدلالة على أن إسناد العمى والصمم الى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض الى الكل ، والواقع أن المتصف بهاتين الصفتين كثير منهم لاكلهم أولا ، وإيماء الى أن العمى والصمم المذكورين أولا شملا جميعهم على ما يدل عليه المقابلة ثانيا ، وأن التوبة الإلهية لم يبطل أثرها ولم تذهب سدى بالمرة بل نجا بالتوبة بعضهم فلم يأخذهم العمى والصمم اللاحقان أخيرا ثالثا.
ثم ختم تعالى الآية بقوله (وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) للدلالة على أن الله تعالى لا يغفله شيء ، فغيره تعالى اذا أكرم قوما بكرامة ضرب ذلك على بصره بحجاب يمنعه أن يرى منهم السوء والمكروه ، وليس الله سبحانه على هذا النعت بل هو البصير لا يحجبه شيء عن شيء.
قوله تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وهذا كالبيان لكون النصارى لم تنفعهم النصرانية والانتساب الى المسيح عليهالسلام عن تعلق الكفر بهم اذا أشركوا بالله ولم يؤمنوا به حق إيمانه حيث قالوا : إن الله هو المسيح بن مريم.
والنصارى وإن اختلفوا في كيفية اشتمال المسيح بن مريم على جوهرة الالوهية بين قائل باشتقاق اقنوم المسيح وهو العلم من اقنوم الرب (تعالى) وهو الحياة ، وذلك الابوة والبنوة ،
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
