الآية ؛ هذه الآية وما بعدها الى عدة آيات تتعرض لحال أهل الكتاب كالحجة على ما يشتمل عليه قوله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) الخ ؛ فإن هذه الجرائم والآثام لا تدع للانسان اتصالا بربه حتى يقيم كتب الله معتمدا عليه.
ويمكن أن يكون هذه الآيات كالمبينة لقوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا) الخ ؛ وهو كالمبين لقوله : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) الآية ؛ والمعنى ظاهر.
وقوله : (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) الظاهر أن كلمتي (فَرِيقاً) في الموضعين مفعولان للفعلين بعدهما قدما عليهما للعناية بأمرهما ، والتقدير : كذبوا فريقا ويقتلون فريقا ، والمجموع جواب قوله : (كُلَّما جاءَهُمْ) الخ ؛ والمعنى نحو من قولنا : كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أساؤوا مواجهته وإجابته وجعلوا الرسل الآيتين فريقين : فريقا كذبوا وفريقا تقتلون.
قال في المجمع : فإن قيل : لم عطف المستقبل على الماضي يعني في قوله : (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ)؟ فجوابه : ليدل على أن ذلك من شأنهم ففيه معنى كذبوا وقتلوا ويكذبون ويقتلون مع أن قوله : (يَقْتُلُونَ) فاصلة يجب أن يكون موافقا لرؤس الآي ، انتهى.
قوله تعالى : (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا) الخ ؛ متمم للكلام في الآية السابقة ، والحسبان هو الظن ، والفتنة هي المحنة التي تغرّ الإنسان أو هي أعم من كل شر وبلية ، والعمى هو عدم إبصار الحق وعدم تمييز الخير من الشر ، والصمم عدم سماع العظة وعدم الإعباء بالنصيحة ، وهذا العمى والصمم معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة ، والظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل وأنهم أبناء الله وأحباؤه فلا يمسهم السوء وإن فعلوا ما فعلوا وارتكبوا ما ارتكبوا.
فمعنى الآية ـ والله أعلم ـ أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظن والحسبان أبصارهم عن إبصار الحق ، وأصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
