والجملة أعني قوله : (يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) كناية عن ثبوت القدرة ، وهو شائع في الاستعمال.
وإنما قيل (يَداهُ) بصيغة التثنية مع كون اليهود إنما أتوا في قولهم (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) بصيغة الإفراد ليدل على كمال القدرة كما ربما يستفاد من نحو قوله تعالى : (قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ) (ص / ٧٥) لما فيه من الإشعار أو الدلالة على إعمال كمال القدرة ، ونحو قولهم «لا يدين بهالك» فإن ذلك مبالغة في نفي كل قدرة ونعمة.
وربما ذكروا لليد معاني مختلفة في اللغة غير الجارحة كالقدرة والقوة والنعمة والملك وغير ذلك ، لكن الحق أن اللفظة موضوعة في الأصل للجارحة ، وإنما استعملت في غيرها من المعاني على نحو الاستعارة لكونها من الشؤن المنتسبة الى الجارحة نوعا من الانتساب كانتساب الإنفاق والجود الى اليد من حيث بسطها ، وانتساب الملك اليها من حيث التصرف والوضع والرفع وغير ذلك.
فما يثبته الكتاب والسنة لله سبحانه من اليد يختلف معناه باختلاف الموارد كقوله تعالى : (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) الآية ؛ وقوله : (أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) (ص / ٧٥) يراد به القدرة وكمالها ، وقوله : (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) (آل عمران / ٢٦) ، وقوله : (فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) (يس / ٨٣) ، وقوله : (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) (الملك / ١) ، الى غير ذلك يراد بها الملك والسلطة ، وقوله : (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) (الحجرات / ١) يراد بها الحضور ونحوه.
وأما قوله : (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) فهو بيان لقوله (يَداهُ مَبْسُوطَتانِ).
قوله تعالى : (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً) هذه الجملة وما يتولها الى آخر الآية كلام مسرود لتوضيح قوله : (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
