الحال.
وإما أنهم إنما تفوهوا بذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) (البقرة / ٢٤٥) ، وقوله تعالى : (وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) (المزمل / ٢٠) ، فقالوا : يد الله مغلولة لا يقدر على تحصيل ما ينفق في حوائجه لترويج دينه وإحياء دعوته. وقد قالوا ذلك سخرية واستهزاء على ما يظهر من بعض آخر مما ورد في أسباب النزول ، وهذا الوجه أقرب الى النظر.
وكيف كان فهذه النسبة أعني نسبة غل اليد والغلوبية عند بعض الحوادث مما لا يأباه تعليمهم الديني والآراء الموجدة في التوراة ؛ فالتوراة تجوز أن يكون الامور معجزا لله سبحانه وصادا مانعا له من إنفاذ بعض ما يريده من مقاصده كالأقوياء من الانسان ، يشهد بذلك ما تقصه من قصص الأنبياء كآدم وغيره.
فعندهم من وجوه الاعتقاد ما يبيح لهم أن ينسبوا إليه تعالى ما لا يناسب ساحة قدسه وكبرياء ذاته جلت عظمته وإن كانت الكلمة إنما صدرت منهم استهزاء فإن لكل فعل مبادىء في الاعتقاد ينبعث إليه الانسان منا ويتجرء بها.
وأما قوله : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) فهو دعاء عليهم بعذاب مشابه لما نسبوا اليه تعالى من النقص غير المناسب لساحة قدسه ، وهو مغلولية اليد وانسلاب القدرة على ما يحبه ويشاؤه ، وعلى هذا فقوله (وَلُعِنُوا بِما قالُوا) عطف تفسير على قوله : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) فإن مغلولية أيديهم مصداق لعنة الله عليهم اذ القول من الله سبحانه فعل ، ولعنه تعالى أحدا إنما هو تعذيبه بعذاب إما دنيوي أو أخروي فاللعن هو العذاب المساوي لغل أيديهم أو الأعم منه ومن غيره.
وأما قوله : (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) فهو جواب عن قولهم (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) مضروب في قالب الإضراب.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
