قوله تعالى : (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ) تفريع على قوله في الآية السابقة : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فمن عدم شمول الهداية الالهية لحالهم ـ وهو الضلال ـ مسارعتهم فيهم واعتذارهم في ذلك بما لا يسمع من القول ، وقد قال تعالى : (يُسارِعُونَ فِيهِمْ) ولم يقل : يسارعون اليهم ، فهم منهم وحالون في الضلال محلهم ، فهؤلاء يسارعون فيهم لا لخشية اصابة دائرة عليهم فليسوا يخافون ذلك ، وانما هي معذرة يختلقونها لانفسهم لدفع ما يتوجه اليهم من ناحية النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمنين من اللوم والتوبيخ بل انما يحملهم على تلك المسارعة توليهم أولئك (اليهود والنصارى).
ولما كان من شأن كل ظلم وباطل أن يزهق يوما ويظهر للملأ فضيحته ، وينقطع رجاء من توسل الى أغراض باطلة بوسائل صورتها صورة الحق كما قال تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) كان من المرجو قطعا أن يأتي الله بفتح أو أمر من عنده فيندموا على فعالهم ، ويظهر للمؤمنين كذبهم فيما كانوا يظهرونه.
قوله تعالى : (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ) لفظة «عسى» وإن كان في كلامه تعالى للترجّي كسائر الكلام ـ على ما قدمنا أنه للترجي العائد الى السامع أو الى المقام ـ لكن القرينة قائمة على أنه مما سيقع قطعا فإن الكلام مسوق لتقرير ما ذكره بقوله (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وتثبيت صدقه ، فما يشتمل عليه واقع لا محالة.
والذي ذكره الله تعالى من الفتح ـ وقد ردد بينه وبين أمر من عنده غير بيّن المصداق بل الترديد بينه وبين أمر مجهول لنا ـ لعله يؤيد كون اللام في «الفتح» للجنس لا للعهد حتى يكون المراد به فتح مكة المعهود بوعد وقوعه في مثل قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) (القصص / ٨٥) وقوله : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ) (الفتح / ٢٧) وغير ذلك.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
