الْحَقِ) أي اذا كانت الشريعة النازلة إليك المودعة في الكتاب حقا وهو حق فيما وافق ما بين يديه من الكتب وحق فيما خالفه لكونه مهيمنا عليه فليس لك الا أن تحكم بين أهل الكتاب ـ كما يؤيده ظاهر الآيات السابقة ـ أو بين الناس ـ كما تؤيده الآيات اللاحقة ـ بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم بالاعراض والعدول عما جاءك من الحق.
ومن هنا يظهر جواز أن يراد بقوله (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) الحكم بين أهل الكتاب أو الحكم بين الناس ، لكن تبعد المعنى الاول حاجته الى تقدير كقولنا فاحكم بينهم ان حكمت ، فان الله سبحانه لم يوجب عليه صلىاللهعليهوآلهوسلم الحكم بينهم بل خيره بين الحكم والاعراض بقوله (فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية ؛ على ان الله سبحانه ذكر المنافقين مع اليهود في اول الآيات فلا موجب لاختصاص اليهود برجوع الضمير إليهم لسبق الذكر وقد ذكر معهم غيرهم ، فالأنسب أن يرجع الضمير الى الناس لدلالة المقام.
ويظهر ايضا ان قوله : (عَمَّا جاءَكَ) متعلق بقوله (وَلا تَتَّبِعْ) بإشرابه معنى العدول أو الاعراض.
قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) قال الراغب في المفردات : الشرع نهج الطريق الواضح يقال : شرعت له طريقا والشرع مصدر ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له : شرع وشرع وشريعة ، واستعير ذلك للطريقة الالهية قال (شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) ـ الى ان قال ـ قال بعضهم : سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء انتهى.
ولعل الشريعة بالمعنى الثاني مأخوذ من المعنى الاول لوضوح طريق الماء عندهم بكثرة الورود والصدور وقال : النهج (بالفتح فالسكون) : الطريق الواضح ، ونهج الأمر وأنهج وضح ، ومنهج الطريق ومنهاجه (١).
__________________
(١) المائدة ٤١ ـ ٥٠ : كلام في معنى الشريعة والفرق بينها وبين الدين والملة في عرف القرآن.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
