اول هو الموجب لاوصافهم الخبيثة من الكفر والنفاق ، وضلال ثان يتأكد به ضلالهم الاول ، ويتصفون به بعد تحقق الكفر والنفاق كما بقوله تعالى في حق الكفار : (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) (البقرة / ٧) ، فنسب الختم الى نفسه تعالى والغشاوة الى انفسهم ، وكما يقوله في حق المنافقين : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) (البقرة / ١٠) فنسب المرض الاول اليهم والمرض الثاني الى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) (البقرة / ٢٦) ، وقوله تعالى : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف / ٥). وبالجملة المتقون واقعون بين هدايتين ، كما ان الكفار والمنافقين واقعون بين ضلالين.
ثم ان الهداية الثانية لما كان بالقرآن فالهداية الاولى قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة ، فان الفطرة اذا سلمت لم تنفك من ان تتنبه شاهدة لفقرها وحاجتها الى امر خارج عنها ، وكذا احتياج كل ما سواها مما يقع عليه حس او وهم او عقل الى امر خارج يقف دونه سلسلة الحوائج ، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحس منه يبدء الجميع واليه ينتهي ويعود ، وانه كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج اليه الخلقة كذلك لا يهمل هداية الناس الى ما ينجيهم من مهلكات الاعمال والاخلاق ، وهذا هو الاذعان بالتوحيد والنبوة والمعاد وهي اصول الدين ، ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيته ، واستعمال ما في وسع الانسان من مال وجاه وعلم وفضيلة لإحياء هذا الامر ونشره ، وهذان هما الصلاة والانفاق.
ومن هنا يعلم : ان الذي اخذه سبحانه من اوصافهم هو الذي يقضي به الفطرة اذا سلمت وانه سبحانه وعدهم انه سيفيض عليهم امرا سماه هداية ، فهذه الاعمال الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت ، هداية سابقة وهداية لاحقة ، وبين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل ، ومن الدليل على ان هذه الهداية الثانية من الله سبحانه فرع الاولى ، آيات
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
