تكون كذلك سواء كانت أحوالا او ملكات ، وأما الخطورات والهواجس النفسانية الطارقة على النفس من غير إرادة من الانسان وكذلك التصورات الساذجة التي لا تصديق معها كتصور صور المعاصي من غير نزوع وعزم فلفظ الآية غير شامل لها البتة لأنها كما عرفت غير مستقرة في النفس ، ولا منشأ لصدور الافعال.
فتحصل : أن الآية إنما تدل على الاحوال والملكات النفسانية التي هي مصادر الافعال من الطاعات والمعاصي ، وأن الله سبحانه وتعالى يحاسب الانسان بها ، فتكون الآية في مساق قوله تعالى : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة / ٢٢٥) ، وقوله تعالى : (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة / ٢٨٣) ، وقوله تعالى : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (الإسراء / ٣٦) ، فجميع هذه الآيات دالة على أن للقلوب وهي النفوس أحوالا وأوصافا يحاسب الانسان بها ، وكذا قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) (النور / ٩) ، فانها ظاهرة في ان العذاب إنما هو على الحب الذي هو أمر قلبي ، هذا.
فهذا ظاهر الآية ويجب أن يعلم : أن الآية إنما تدل على المحاسبة بما في النفوس سواء أظهر أو أخفي ، وأما كون الجزاء في صورتي الإخفاء والاظهار على حد سواء ، وبعبارة اخرى كون الجزاء دائرا مدار العزم سواء فعل أو لم يفعل وسواء صادف الفعل الواقع المقصود او لم يصادف كما في صورة التجري مثلا فالآية غير ناظرة الى ذلك.
قوله تعالى : (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، الترديد في التفريع بين المغفرة والعذاب لا يخلو من الاشعار بأن المراد بما في النفوس هي الصفات والاحوال النفسانية السيئة ، وان كانت المغفرة ربما استعملت في القرآن في غير مورد المعاصي أيضا لكنه استعمال كالنادر يحتاج الى مؤنة القرائن الخاصة. وقوله : (إِنَّ اللهَ) تعليل راجع الى مضمون الجملة الاخيره ، او الى مدلول الآية بتمامها.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
