لعالم الخلق مما في السموات والارض ، وهو توطئة لقوله بعده : وإن تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، أي إن له ما في السموات والارض ومن جملتها أنتم وأعمالكم وما اكتسبتها نفوسكم ، فهو محيط بكم مهيمن على اعمالكم لا يتفاوت عنده كون أعمالكم بادية ظاهرة ، او خافية مستورة فيحاسبكم عليها.
وربما استظهر من الآية : كون السماء مسانخا لأعمال القلوب وصفات النفس فما في النفوس هو مما في السموات ، ولله ما في السموات كما ان ما في النفوس اذا أبدي بعمل الجوارح كان مما في الارض ، ولله ما في الارض فما انطوى في النفوس سواء أبدى أو أظهر مملوك لله محاط له سيتصرف فيه بالمحاسبة.
قوله تعالى : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) ، الابداء هو الإظهار مقابل الاخفاء ، ومعنى ما في أنفسكم ما استقر في أنفسكم على ما يعرفه أهل العرف واللغة من معناه ، ولا مستقر في النفس إلّا الملكات والصفات من الفضائل والرذائل كالايمان والكفر والحب والبغض والعزم وغيرها فإنها هي التي تقبل الاظهار والاخفاء. أما إظهارها فإنما تتم بأفعال مناسبة لها تصدر من طريق الجوارح يدركها الحس ويحكم العقل بوجود تلك المصادر النفسية المسانخة لها ، اذ لو لا تلك الصفات والملكات النفسانية من إرادة وكراهة وإيمان وكفر وحب وبغض وغير ذلك لم تصدر هذه الافعال ، فبصدور الافعال يظهر للعقل وجود ما هو منشأها. وأما إخفائها فبالكف عن فعل ما يدل على وجودها في النفس.
وبالجملة ظاهر قوله : (ما فِي أَنْفُسِكُمْ) ، الثبوت والاستقرار في النفس ، ولا يعني بهذا الاستقرار التمكن في النفس بحيث يمتنع الزوال كالملكات الراسخة ، بل ثبوتا تاما يعتد به في صدور الفعل كما يشعر به قوله : (إِنْ تُبْدُوا) وقوله : (أَوْ تُخْفُوهُ) فان الوصفين يدلان على ان ما في النفس بحيث يمكن ان يكون منشأ للظهور او غير منشأ له وهو الخفاء ، وهذه الصفات يمكن ان
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
