الذي تأمرني به كالذي تنهاني عنه لا مزية له عليه ، ولو قال : ان الذي تنهاني عنه كالذي تأمرني به كان عاقلا غير مختل الادراك فإن معنى هذا القول : أنه يسلم أن الذي يؤمر به أصل ذو مزية يجب اتباعه لكنه يدعي ان الذي ينهي عنه ذو مزية مثله ، ولم يكن معنى كلامه إبطال المزية وإهماله كما يراه الممسوس ، وهذا هو قول المرابي المستقر في نفسه الخبط : إنما البيع مثل الربا ، ولو أنه قال : ان الربا مثل البيع لكان رادا على الله جاحدا للشريعة لا خابطا كالممسوس.
والظاهر ان قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) حكاية لحالهم الناطق بذلك وان لم يكونوا قالوا ذلك بألسنتهم ، وهذا السياق أعني حكاية الحال بالقول ، معروف عند الناس.
قوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) ، جملة مستأنفة بنائا على ان الجملة الفعلية المصدرة بالماضي لو كانت حالا لوجب تصديرها بقد. يقال : جائني زيد وقد ضرب عمرا ، ولا يلائم كونها حالا ما يفيده أول الكلام من المعنى ، فإن الحال قيد لزمان عامله وظرف التحققه ، فلو كانت حالا لأفادت : أن تخبطهم لقولهم انما البيع مثل الربا انما هو في حال أحل الله البيع وحرم الربا عليهم ، مع ان الامر على خلافه فهم خابطون بعد تشريع هذه الحلية والحرمة وقبل تشريعهما ، فالجملة ليست حالية وانما هي مستأنفة.
وهذه المستأنفة غير متضمنة للتشريع الابتدائي على ما تقدم أن الآيات ظاهرة في سبق أصل تشريع الحرمة ، بل بانية على ما تدل عليها آية آل عمران (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران / ١٣٠) فالجملة أعني قوله : (وَأَحَلَّ اللهُ) ، الخ ؛ لا تدل على إنشاء الحكم ، بل على الإخبار عن حكم سابق وتوطئة لتفرع قوله بعدها : فمن جائه موعظة من ربه ، الخ ؛ هذا ما ينساق اليه ظاهر الآية الشريفة.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
