الملك.
وهناك نكتة اخرى وهي : الدلالة على ردائة دعواه من رأس ، وذلك انه انما كان يدعي هذه الدعوى لملك آتاه الله تعالى من غير ان يملكه لنفسه ، فهو انما كان نمرود الملك ذا السلطة والسطوة بنعمة من ربه ، وأما هو في نفسه فلم يكن الا واحدا من سواد الناس لا يعرف له وصف ، ولا يشار اليه بنعت ، ولهذا لم يذكر اسمه وعبر عنه بقوله : (الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) ، دلالة على حقارة شخصه وخسة أمره.
واما نسبة ملكه الى ايتاء الله تعالى فقد مر في المباحث السابقة : انه لا محذور فيه ، فإن الملك وهو نوع سلطنة منبسطة على الامة كسائر انواع السلطنة والقدرة نعمة من الله وفضل يؤتيه من يشاء ، وقد أودع في فطرة الإنسان معرفته ، والرغبة فيه ، فإن وضعه في موضعه كان نعمة وسعادة ، قال تعالى : (وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) (القصص / ٧٧) ، وان عدا طوره وانحرف به عن الصراط كان في حقه نقمة وبوارا ، قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ) (إبراهيم / ٢٨) ، وقد مر بيان ان لكل شيء نسبة اليه تعالى على ما يليق بساحة قدسه تعالى وتقدس من جهة الحسن الذي فيه دون جهة القبح والمسائة.
قوله تعالى : (قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ، الحياة والموت وإن كانا يوجدان في غير جنس الحيوان ايضا كالنبات ، وقد صدقه القرآن كما مر بيانه في تفسير آية الكرسي ، لكن مراده عليهالسلام منهما اما خصوص الحياة والممات الحيوانيين أو الاعم الشامل له لإطلاق اللفظ ، والدليل على ذلك قول نمرود : أنا أحيي وأميت ، فإن هذا الذي ادعاه لنفسه لم يكن من قبيل إحياء النبات بالحرث والغرس مثلا ، ولا احياء الحيوان بالسفاد والتوليد مثلا ، فإن ذلك وأشباهه كان لا يختص به بل يوجد في غيره من أفراد الانسان ، وهذا يؤيد ما وردت به الروايات : انه أمر بإحضار رجلين ممن كان في سجنه فأطلق احدهما وقتل الآخر ، وقال
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
