بيان :
قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) ، المحاجة إلقاء الحجة قبال الحجة لإثبات المدعي أو لإبطال ما يقابله ، واصل الحجة هو القصد ، غلب استعماله فيما يقصد به اثبات دعوى من الدعاوي ، وقوله : (فِي رَبِّهِ) متعلق بحاج ، والضمير لابراهيم كما يشعر به قوله تعالى فيما بعد : (قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ، وهذا الذي حاج ابراهيم عليهالسلام في ربه هو الملك الذي كان يعاصره وهو نمرود من ملوك بابل على ما يذكره التاريخ والرواية.
وبالتأمل في سياق الآية ، والذي جرى عليه الامر عند الناس ولا يزال يجري عليه يعلم معنى هذه المحاجة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، والموضوع الذي وقعت فيه محاجتهما (١).
قوله تعالى : (أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) ، ظاهر السياق : انه من قبيل قول القائل : أساء الى فلان لاني احسنت اليه يريد : ان احساني اليه كان يستدعي ان يحسن الي لكنه بدل الاحسان من الإسائة فأساء إلي ، وقولهم : واتق شر من احسنت اليه ، قال الشاعر :
|
جزى بنوه أبا الغيلانعن كبر |
|
وحسن فعل كما يجزى سنمار |
فالجملة أعني قوله : (أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) بتقدير لام التعليل وهي من قبيل وضع الشيء موضع ضده للشكوى والاستعداء ونحوه ، فإن عدوان نمرود وطغيانه في هذه المحاجة كان ينبغي ان يعلل بضد انعام الله عليه بالملك ، لكن لما لم يتحقق من الله في حقه الا الإحسان اليه وايتائه الملك فوضع في موضع العلة فدل على كفرانه لنعمة الله فهو بوجه كقوله تعالى : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) (القصص / ٨) فهذه نكتة في ذكر ايتائه
__________________
(١) البقرة ٢٥٨ ـ ٢٦٠ بحث في : عبادة الاصنام ؛ احتجاج ابراهيم عليهالسلام مع نمرود.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
