ولكنك عرفت ان ما سواه تعالى ليس له الّا المملوكية فقط وهذه حقيقته فشيء منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى ، ولا النظر اليه يجامع الغفلة عنه تعالى ، فله تعالى الحضور المطلق ، قال سبحانه : (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (السجدة / ٥٤) واذا كان كذلك فحق عبادته تعالى ان يكون عن حضور من الجانبين.
اما من جانب الرب عزوجل ، فان يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب للالتفات (المأخوذ في قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) عن الغيبة الى الحضور.
اما من جانب الرب العبد ، فان يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير ان يغيب في عبادته فيكون عبادته صوره فقط من غير معنى وجسدا من غير روح ؛ أو يتبغض فيشتغل بربه وبغيره ، اما ظاهرا وباطنا كالوثنيين في عبادتهم لله ولاصنامهم معا ، أو باطنا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والاغراض ؛ كأن يعبد الله وهمّه في غيره ، أو يعبد الله طمعا في جنة أو خوفا من نار فان ذلك كله من الشرك في العبادة الذي ورد عنه النهي ، قال تعالى : (فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) (الزمر / ٢) ، وقال تعالى : (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الزمر / ٣).
فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة ، اذا كان على خلوص من العبد وهو الحضور الذي ذكرناه ، وقد ظهر انه انما يتم اذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد اعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته ولم يتعلق قلبه في عبادته رجائا أو خوفا هو الغاية في عبادته كجنة أو نار فيكون عبادته له لا لوجه الله ، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافيا لمقام العبودية التي لا تلائم الإنيّة والاستكبار ، وكأن الإتيان بلفظ المتكلم مع الغير للايماء الى هذه النكتة فان فيه هضما للنفس بالغاء تعينها وشخوصها وحدها المستلزم لنحو من الإنية والاستقلال بخلاف ادخالها
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
