كالسماء والأرض واختلاف الليل والنهار دلالة على أنها أيضا تنتهي مثلها الى صنع الله سبحانه في الطبيعة فان نسبة الفعل الى الإنسان بحسب الدقة لا تزيد على نسبة الفعل الى سبب من الأسباب الطبيعية ، والاختيار الذي يتبجح به الإنسان لا يجعله سببا تاما مستقلا غير مفتقر الى إرادة الله سبحانه ولا يجعله أقل احتياجا اليه تعالى بالنسبة الى سائر الأسباب الطبيعية ، فلا فرق من حيث الاحتياج الى إرادة الله سبحانه بين أن يفعل قوة طبيعية في مادة ، فتوجد بالفعل والانفعال والتحريك والتركيب والتحليل صورة من الصور كصورة الحجارة مثلا ، وبين أن يفعل الإنسان بالتحريك والتقريب والتبعيد في المادة صورة من الصور كصورة السفينة مثلا في أن الجميع تنتهي الى صنع الله وايجاده لا يستقل شيء مستغنيا عنه تعالى في ذاته وفعله.
فالفلك أيضا مثل سائر الموجودات الطبيعية تفتقر الى الإله في وجودها وتفتقر الى الإله في تدبير أمرها من غير فرق ، وقد أشار تعالى الى هذه الحقيقة بقوله : (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) (الصافات / ٩٦) ، حيث حكاه من إبراهيم فيما قاله لقومه في خصوص الأصنام التي اتخذوها آلهة فان من المعلوم أن الصنم ليس إلّا موجودا صناعيا كالفلك التي تجري في البحر ، وقال تعالى : (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) (الرحمن / ٢٤) ، فعدها ملكا لنفسه ، وقال تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) (إبراهيم / ٣٢) ، فعد تدبير أمرها راجعا اليه (١).
قوله تعالى : (وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) ، فان حقيقته عناصر مختلفة يحملها ماء البحار وغيره ثم يتكاثف بخارا متصاعدا حاملا للحرارة حتى ينتهي الى زمهرير الهواء فيتبدل ماء متقاطرا على
__________________
(١) البقرة ١٦٣ ـ ١٦٧ : كلام في استناد مصنوعات الانسان إلى الله سبحانه.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
