خاطب ، وهو أنهم سيبتلون بما لا يتمهد لهم المعالي ولا يصفو لهم الأمر في الحيوة الشريفة ، والدين الحنيف إلا به ، وهو الحرب والقتال ، لا يدور رحى النصر والظفر على مرادهم إلّا أن يتحصنوا بهذين الحصنين ويتأيدوا بهاتين القوتين ، وهما الصبر والظفر ، ويضيفوا الى ذلك ثالثا وهو خصلة ما حفظها قوم إلّا ظفروا بأقصى مرادهم وحازوا الغاية القصوى من كمالهم ، واشتد بأسهم وطابت نفسهم ، وهو الإيمان بأنّ القتيل منهم غير ميت ولا فقيد ، وأن سعيهم بالمال والنفس غير ضائع ولا باطل ، فإن قتلوا عدوهم فهم على الحيوة ، وقد أبادوا عدوهم وما كان يريده من حكومة الجور والباطل عليهم ـ وإن قتلهم عدوهم فهم على الحيوة ـ ولم يتحكم الجور والباطل عليهم ، فلهم إحدى الحسنيين على أي حال.
وعامة الشدائد التي يأتي بها هو الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس فذكرها الله تعالى ، وأما الثمرات فالظاهر أنها الأولاد ، فإن تأثير الحرب في قلة النسل بموت الرجال والشبان أظهر من تأثيره في نقص ثمرات الأشجار ، وربما قيل : إن المراد ثمرات النخيل ، وهي التمر والمراد بالأموال غيرها وهي الدواب من الإبل والغنم.
قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) ، اعاد ذكر الصابرين ليبشرهم اولا ، ويبيّن كيفية الصبر بتعليم ما هو الصبر الجميل ثانيا ، ويظهر به حق الامر الذي يقضي بوجوب الصبر ـ وهو ملكه تعالى للانسان ـ ثالثا ، ويبيّن جزائه العام ـ وهو الصلوة والرحمة والاهتداء ـ رابعا.
فأمر تعالى نبيه اولا بتبشيرهم ، ولم يذكر متعلق البشارة لتفخيم امره فانها من الله سبحانه فلا تكون الا خيرا وجميلا ، وقد ضمنها رب العزة ، ثم بيّن ان الصابرين هم الذين يقولون : كذا وكذا عند إصابة المصيبة ، وهي الواقعة التي تصيب الانسان ، ولا يستعمل لفظ المصيبة الا في النازلة المكروهة ، ومن المعلوم ان ليس المراد بالقول مجرد التلفظ بالجملة من غير حضور معناها بالبال ، ولا مجرد الاخطار من غير تحقق بحقيقة معناها ، وهي ان الانسان مملوك لله
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
