إليه كالقبلة ، وهذا رجوع الى تلخيص البيان السابق ، وتبديل له من بيان آخر يهدي الناس الى ترك تعقيب أمر القبلة ، والاكثار من الكلام فيه ، والمعنى ان كل قوم فلهم قبلة مشرعة على حسب ما يقتضيه مصالحهم وليس حكما تكوينيا ذاتيا لا يقبل التغيير والتحويل ، فلا يهم لكم البحث والمشاجرة فيه ، فاتركوا ذلك واستبقوا الخيرات وسارعوا اليها بالاستباق ، فان الله سيجمعكم الى يوم لا ريب فيه ، وأينما تكونوا يأت بكم الله جميعا ان الله على كل شيء قدير.
واعلم ان الآية كما انها قابلة الانطباق على أمر القبلة لوقوعها بين آياتها كذلك تقبل الانطباق على أمر التكوين ، وفيها اشارة الى القدر والقضاء ، وجعل الاحكام والاداب لتحقيقها وسيجيء تمام بيانه فيما يخص به من المقام إنشاء الله.
قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) ، ذكر بعض المفسّرين أنّ المعنى ومن أيّ مكان خرجت ، وفي أيّ بقعة حللت فولّ وجهك وذكر بعضم أنّ المعنى ومن حيث خرجت من البلاد ، ويمكن أن يكون المراد بقوله ومن حيث خرجت ؛ مكة ، التي خرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم منها كما قال تعالى : (مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) (محمد / ٣) ، ويكون المعنى أنّ استقبال البيت حكم ثابت لك في مكة وغيرها من البلاد والبقاع ، وفي قوله وأنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون تأكيد وتشديد.
قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ، تكرار الجملة الاولى بلفظها لعله للدلالة على ثبوت حكمها على أي حال ، فهو كقول القائل ، اتق الله اذا قمت واتق الله اذا قعدت ، واتق الله اذا نطقت ، واتق الله اذا سكت ، يريد : التزم التقوى عند كل واحدة من هذه الأحوال ولتكن معك ، ولو قيل اتق الله اذا قمت واذا قعدت واذا نطقت واذا سكت فاتت هذه النكتة ، والمعنى استقبل شطر المسجد الحرام من التي خرجت منها وحيث ما كنتم من الأرض فولّوا
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
