الدنيا والآخرة وتسليم ما يرضيه الله لعبده في جميع اموره كما قال الله تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) (آل عمران / ١٩) ، فظهر : أن مقام الاصطفاء هو مقام الإسلام بعينه ويشهد بذلك قوله تعالى : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ، قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) الآية ؛ فإن الظاهر أن الظرف متعلق بقوله : (اصْطَفَيْناهُ) ، فيكون المعنى أن إصطفائه إنما كان حين قال له ربه : أسلم : فأسلم لله رب العالمين فقوله تعالى : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) ، قال أسلمت لرب العالمين ، بمنزلة التفسير لقوله : (اصْطَفَيْناهُ).
وفي الكلام التفات من التكلم الى الغيبة في قوله : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) ، ولم يقل اذ قلنا له أسلم ، والتفات آخر من الخطاب الى الغيبة في المحكي من قول إبراهيم : (قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) ، ولم يقل : قال أسلمت لك اما الاول ، فالنكتة فيه : الإشارة الى أنه كان سرا استسر به ربه اذ أسره إليه فيما خلى به معه فإن للسامع المخاطب اتصالا بالمتكلم فاذا غاب المتكلم عن صفة حضوره انقطع المخاطب عن مقامه وكان بينه وبين ما للمتكلم من الشأن والقصة ستر مضروب ، فأفاد : أن القصة من مسامرات الانس وخصائص الخلوة.
واما الثاني : فلأن قوله تعالى : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ) ، يفيد معنى الاختصاص باللطف والإسترسال في المسارة لكن أدب الحضور كان يقتضي من إبراهيم وهو عبد عليه طابع الذلة والتواضع أن لا يسترسل ، ولا يعد نفسه مختصا بكرامة القرب متشرفا بحظيرة الانس ، بل يراها واحدا من العبيد الأذلاء المربوبين ، فيسلم لرب يستكين اليه جميع العالمين فيقول : أسلمت لرب العالمين.
والإسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد ، من السلم ، وأحد الشيئين اذا كان بالنسبة الى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلم واستسلم له ، قال تعالى : (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) (البقرة / ١١٢) ، وقال تعالى : (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً) (الأنعام / ٧٩) ، ووجه الشيء ما يواجهك به ، وهو بالنسبة إليه تعالى تمام
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
