وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣))
بيان :
قوله تعالى : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى) ، رجوع الى الطائفتين بعد الالتفات الى غيرهم ، وهو بمنزلة جمع أطراف الكلام على تفرقها وتشتتها ، فكأنه بعد هذه الخطابات والتوبيخات لهم يرجع الى رسوله ويقول له : هؤلاء ليسوا براضين عنك ، حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بآرائهم ، ثم أمره بالرد عليهم بقوله : (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى) أي ان الاتباع إنما هو لغرض الهدى ولا هدى إلّا هدى الله والحق الذي يجب أن يتبع وغيره ـ وهو ملتكم ـ ليس بالهدى ، فهي أهوائكم ألبستموها لباس الدين وسميتموها بإسم الملة ، ففي قوله : (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ) ، الخ ؛ جعل الهدى كناية عن القرآن النازل ، ثم اضيف الى الله فأفاد صحة الحصر في قوله : (إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى) على طريق قصر القلب ، وأفاد ذلك خلو ملتهم عن الهدى ، وأفاد ذلك كونها أهوائا لهم ، واستلزم ذلك كون ما عند النبي علما ، وكون ما عندهم جهلا ، واتسع المكان لتعقيب الكلام بقوله : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) فانظر الى ما في هذا الكلام من اصول البرهان العريقة ، ووجوه البلاغة على إيجازه ، وسلاسة البيان وصفائه.
قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يمكن أن تكون الجملة بقرينة الحصر المفهوم من قوله : (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) جوابا للسؤال المقدر الذي يسوق الذهن إليه قوله تعالى : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى) ، الخ ؛ وهو انهم اذا لم يكن مطمع في إيمانهم ، فمن ذا الذي يؤمن
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
