الكلام إلى الغيبة.
قوله تعالى : (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا) الخ ؛ لا تقابل بين الشرطين وهما مدخولا اذا في الموضعين كما في قوله تعالى : (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) (البقرة / ١٤) ، بل المراد بيان موضعين آخرين من مواضع جرائمهم وجهالتهم.
احدهما : أنهم ينافقون فيتظاهرون بالإيمان صونا لأنفسهم من الإيذاء والطعن والقتل.
وثانيهما : أنهم يريدون تعميه الأمر وإبهامه على الله سبحانه العالم بسرهم وعلانيتهم وذلك أن العامة منهم ، وهم أولوا بساطة النفس ربما كانوا ينبسطون للمؤمنين ، فيحدثونهم ببعض ما في كتبهم من بشارات النبي أو ما ينفع المؤمنين في تصديق النبوة ، كما يلوح من لحن الخطاب فكان أوليائهم ينهونه معللا بأن ذلك مما فتح الله لهم ، فلا ينبغي أن يفشى للمؤمنين ، فيحاجوهم به عند ربهم كأنهم لو لم يحاجوهم به عند ربهم لم يطلع الله عليه فلم يؤاخذهم بذلك ولازم ذلك أن الله تعالى إنما يعلم علانية الأمر ، دون سره وباطنه وهذا من الجهل بمكان ، فرد الله سبحانه عليهم بقوله : (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) الآية ؛ فإن هذا النوع من العلم ـ وهو ما يتعلق بظاهر الأمر دون باطنه ـ إنما هو العلم المنتهي الى الحس يفتقر الى بدن مادي مجهز بآلات مادية مقيد بقيود الزمان والمكان مولود لعلل اخرى مادية وما هو كذلك مصنوع من العالم لا صانع العالم.
قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ) ، الأمي من يقرأ ولا يكتب منسوب الى الام لأن عطوفة الام وشفقتها كانت تمنعها أن ترسل ولدها الى المعلم وتسلمه الى تربيته ، فكان يكتفي بتربية الأم ، والاماني جمع امنية ، وهي الأكاذيب ، فمحصل المعنى انهم بين من يقرأ الكتاب ويكتبه فيحرفه وبين من لا يقرأ ولا يكتب ولا يعلم من الكتاب الا اكاذيب المحرفين.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
