واصول العقائد ، فقلّما نرى استعمال لغة في كتاب الله الكريم وتكرارها مثل لغة : (عقل ، فكر ، لبّ ، نهى) مع مشتقّاتها ، بشكل يحصر درك الموضوع ـ بأبعاده وخصوصيّاته أحيانا ـ بالعقلاء واولي الألباب.
بل الملاحظ في لسان الروايات والأخبار أنّ أوّل ما خلق الله العقل .. ، وبه يثيب وبه يعاقب ، وأنّ قوام الحساب والكتاب يوم القيامة إنّما يكون بمقدار التعقّل والتفكّر ، ومن هنا قال عليهالسلام : «إنّما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا» (١).
ولذا نجد أنّ مدركات العقل نزّلت في الشرع الأنور بمنزلة الأحكام الشرعيّة ، وقالوا : كلّما حكم به العقل حكم به الشرع ، كما نلاحظ الشارع المقدّس قد أمضى مدركاته وأحكامه ، إلّا أنّه مع كلّ ما للعقل البشري من عظمة ومقام لا يتأتّى له الوصول إلى ملاكات أحكام الشريعة ، وفلسفتها التشريعيّة ، ولا يسعه ـ بدون إمداد السماء ووحي الشريعة ـ أن يدرك جميع مصالح ومفاسد الشرع الأنور ، وعليه فلا يصحّ الحكم ببطلان حكم أو ردّ رأي مع عدم الوصول إلى ملاك الحكم فيه.
وبعبارة اخرى ؛ الموارد الّتي يمكن للعقل أن يستقلّ في إدراك حكمها ، ـ وبشكل بديهي ـ يكون حجّة بلا ريب ، ويعبّر عنها اصطلاحا ب : المستقلّات العقليّة ، ولهذا نجد الاصوليّين عدّوا العقل واحدا من أدلّة الأحكام على غرار الكتاب الكريم ، والسنّة الشريفة ، والإجماع ، واستندوا عليه ، وفي قبالهم كانت مصادر الأحكام عند الأخباريين منحصرة في الكتاب والسنّة ، ولم يكن للعقل أيّ اعتبار في فعليّة الأحكام الشرعيّة ، وهذا صريح كلام المحدّث الاسترابادي في
__________________
(١) بحار الأنوار : ١ / ١٠٦ الحديث ٣.
