كوجوب الصّلاة قائما وعلى تقدير العجز عنه قاعدا وعلى تقدير العجز عنه مضطجعا وعلى تقدير العجز عنه مستقلا وهكذا فهى احكام واقعيّة مترتّبة والحكم الواقعى في كلّ مرتبة له حكم ظاهرىّ وليس الحكم الظّاهرى للمرتبة العليا عين الحكم الواقعىّ للمرتبة السّفلى وان كان موردا له بل هما متمايزان وهاهنا خلط من خلط حيث لم يميّز بينهما فاعتقد كون الاحكام الظّاهريّة احكاما واقعيّة ثانويّة واشتدّ هذا الاعتقاد بمشاهدة ما جرت العادة عليه بين الاصوليّين من التّعبير عن الحجيّة بوجوب العمل كما في الخبر ونحوه وعن عدمها بالحرمة كما في القياس ونحوه وعن مفاد اصل البراءة وامثالها بالإباحة والتّحليل فاغترّ من اغترّ وزعم انّها احكام تكليفيّة شرعيّة مقابلة للاحكام الواقعيّة وإن كانت ثانوية بالنّسبة اليها غفلة عن انّ هذه التّعبيرات كنايات عن جهات وضعيّة فكون الخبر واجب العمل ليس الّا عبارة عن دليليّته أ لا ترى انّ ذلك لا يختصّ بادلّة الأحكام الشّرعيّة بل هو جار في مطلق الدّليل ولو في ساير الفنون من الحكمة والكلام وغيرها فانّ التّعبير بانّ هذا الدّليل يجب العمل به شايع في جميع الفنون وليس المراد بالعمل فعل الجوارح بل المراد به اكتساب المجهول واستكشاف المدلول وهو معنى قولهم فلان لا يعمل بالخبر او يعمل به اذ المجتهد قد لا يكون ممتثلا بالاحكام وهو مع ذلك عامل بالأخبار في مقام الاجتهاد والاستنباط وبهذا الاعتبار قد يكنّى به عن اعتقاد الدّليليّة وعدمه كقولك فلان ممّن يعمل بالخبر الواحد وفلان ممّن لا يعمل به ووجوب العمل في هذه المواقع بمعنى الثّبوت واللّزوم اذ الاستدلال واعمال النّظر لاكتساب المجهولات من آثار الدّليل ولوازمه الثّابتة له وليس من التّكليف في شيء وكذا قولك البارى تعالى واجب الوجود لا تريد به التّكليف بل هو غير معقول بل اطلاقه على التّكليف المخصوص انّما هو لخصوصيّة وهى بلوغ الطّلب فيه بمثابة يلزم امتثاله وامّا اطلاق الحرمة في القياس ونحوه فهى بمعنى المنع ويراد به المنع الوضعى الّذى هو كناية عن عدم الدّليليّة فانّ مقتضى فقدان صفة الدّليليّة فيه هو الامتناع عن النّظر فيه والرّكون اليه فهو ممنوع العمل بنفسه لا تحريم شرعىّ بمعنى التّكليف نعم لا يطلق الحرمة على العمل بغير الدّليل الّا في الأحكام الشّرعيّة وذلك لعظم الخطر فيها عند المخالفة والتّقصير فيأبى العقل عن اقتحامه ويمنع عن الرّكون الى غير الطّريق المامون منها الزاميّا وضعيّا ارشاديّا فهو المراد من حرمة العمل بالقياس وامثاله له الحرمة التّكليفيّة الشّرعيّة وامّا التّعبير بالإباحة والتّحليل عن مفاد اصل البراءة ونحوه فهو ايضا كناية عن عدم الجرح في الفعل بمعنى المعذوريّة لو كان فيه عقاب فهل جهة وضعيّة لا تكليف شرعىّ على ما تقدّم فالاغترار بامثال هذه التّعبيرات والحكم من اجلها بكون الأحكام الظّاهريّة تكاليف شرعيّة في قبال الاحكام الواقعيّة منبئ عن عدم الخبرة بمواقع الكلمات ومنها ما ذكره العلّامة قدسسره من انّ الظنّ في طريق الحكم لا فيه نفسه وظنيّة الطّريق لا تنافى عليّة الحكم واعترض عليه صاحب المعالم رحمهالله بانّ هذا الجواب يتمّ على اصول الأشاعرة القائلين بالتّصويب وكانّه لهم وتبعهم فيه من لا يوافقهم على هذا الأصل غفلة عن حقيقة الحال واورد عليه سلطان المحقّقين بانّه لم يلتفت الى مقصود العلّامة فانّ مراده الحكم الظّاهرى
